الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٤٢ - دفع شبهات الأخباريّة في نفي الحاجة إلى علم الرجال
..........
و كونها ممّا عليها المعوّل و إليها المرجع حسبما شهد به الصدوق في عبارته المتقدّمة أعمّ من القطع المذكور من الجهتين كما لا يخفى، خصوصا مع ملاحظة كون جملة من أصحابها كذّابين أو متّهمين أو معروفين بالكذب، و وجود الأخبار الكاذبة في اصول غيرهم من المعتمدين بدسّ الوضّاعين و تخليط المعاندين للملّة الحقّة و صادعيها الأئمّة المعصومين، فإنّ ذلك لو لم يكن مقطوعا به فلا أقلّ من احتماله القائم الكافي في منع حصول القطع بصدور جميع الآحاد، خلافا لبعض متأخّري المحدّثين كصاحب الحدائق في إنكاره قيام الاحتمال أيضا، فإنّه في مقدّمات الحدائق تصدّى لدفع طريقة أصحابنا المتأخّرين في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة بعد ما تخيّل منهم أنّ منشأه حصول الاختلاف و كثرة المباينة و وفور المعارضة ما بين أخبارنا الموجودة الاخر، و كان ذلك مظنّة توهّم أنّ هذا الاختلاف الكذائي إنّما نشأ من جهة اختلاط الأخبار الكاذبة بالأخبار الصادقة فاضطرّوا إلى هذا التنويع ليتميّز به الأخبار الصادقة عن الكاذبة، فأخذ (رحمه اللّه) بدفع التوهّم و منع الاختلاط قائلا- ممّا ملخّصه-: «منع كون أخبارنا اليوم مشتملة على الكاذبة بل كلّها مقطوع بصدورها، لأنّ قدماء أصحابنا المحدّثين و سلفنا الصالحين (رضوان اللّه عليهم) صحّحوا الأخبار المرويّة عن الأئمّة (عليهم السلام) و نقّحوها و أخرجوا عنها الأخبار الكاذبة، فهذه الأخبار الّتي بأيدينا اليوم وصلت إلينا مصفّاة منقاة، فلا يمكن حينئذ توهّم دخول الأخبار الكاذبة فيها» [١].
و فيه- مع أنّه يعارضه ما عن بعض المحقّقين من أنّه كان الواجب على القدماء إيراد القطعيّات و غيرها مع ما يحصل به التمييز بين المعتمد و غيره من ذكر رجال أسانيد الأخبار و قد فعلوا ذلك-: أنّ إخراجهم الأخبار الكاذبة ليس إلّا باجتهادهم و الضرورة قاضية بأنّ الاجتهاد غير مأمون من الخطأ، فلو سلّمنا ارتفاع علمنا الإجمالي بوجود الأخبار الكاذبة فيما بين أخبار الأئمّة بذلك على فرض ثبوته فارتفاع احتمال الوجود غير مسلّم، كيف و قيامه من ضروريّات الوجدان المغني عن تجشّم إقامة البرهان.
و للوحيد المتقدّم ذكره كلام لطيف في هدم هذا البنيان يعجبني نقله بعين عبارته، فإنّه قال في جملة كلام له: «و مع ذلك كثير من أصحاب الكتب المشهورين ورد فيهم عن المشايخ المعتمدين العارفين الماهرين أنّهم وضعوا الحديث كذّابون مثل وهب بن وهب القرشي،
[١] الحدائق الناضرة ١: ١٤- المقدّمة الثانية.