الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٩ - تعليقة- وجوب العمل بمؤدّى الاجتهاد
..........
مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ [١] و فيه تبيان لكلّ شيء، إلى آخره» [٢].
و عنه (عليه السلام) أيضا في كلام له: «إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه، فاستشعر الحزن و تجلبب الخوف؛ فزهر مصباح الهدى في قلبه، و أعدّ القرى ليومه النازل به، فقرّب على نفسه البعيد و هوّن الشديد، نظر فأبصر، و ذكر فاستكثر، و ارتوى من عذب فرات، سهّلت له موارده فشرب نهلا و سلك سبيلا جددا، قد خلع سرابيل الشهوات، و تخلّى من الهموم إلّا همّا واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى، و صار من مفاتيح أبواب الهدى و مغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه و سلك سبيله، و عرف مناره، و قطع غماره، و استمسك من العرى بأوثقها، و من الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الامور من إصدار كلّ وارد عليه، و تصيير كلّ فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشّاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم و يسكت فيسلم، قد أخلص للّه فاستخلصه، فهو من معادن دينه و أوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحقّ و يعمل به، لا يدع للخير غاية إلّا أمّها و لا مظنّة إلّا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده و إمامه، يحلّ حيث حلّ ثقله، و ينزل حيث كان منزله.
و آخر قد يسمّى عالما و ليس به، فاقتبس جهائل من جهّال و أضاليل من ضلّال، و نصب للناس أشراكا من حبائل غرور و قول زور، قد حمل الكتاب على آرائه و عطف الحقّ على أهوائه، يؤمن من العظائم و يهوّن كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات و فيها وقع، و يقول:
اعتزل البدع و بينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان و القلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، و لا باب العمى فيصدّ عنه، و ذلك ميّت الأحياء، فأين تذهبون و أنّى تؤفكون، و الأعلام قائمة و الآيات واضحة، و المنار منصوبة، فأين يتاه بكم! بل كيف تعمهون و بينكم عترة نبيّكم و هم أزمّة الحقّ أعلام الدين و ألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.
أيّها الناس خذوها عن خاتم النبيّين (أنّه يموت من مات منّا و ليس بميّت، و يبلى من بلى منّا و ليس ببال) فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون، و أعذروا من
[١] الأنعام: ٣٨.
[٢]- الفوائد المدنيّة: ١٩٤.