الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٩٥ - المسألة الثالثة فيما كان الجمع بينهما بإرجاع التأويل إليهما معا بتخصيص أو غيره من سائر أنواع التجوّز،
..........
الاخرى فإنّه ربّما يتبع الدواعي النفسانيّة من الميل و البغض و غيرهما ممّا لا تنضبط، و الدواعي من الارتشاء و لذا يسأل الحاكم و يؤاخذ و ربّما يتّهم، فالتسوية ممّا ينقطع به الخصومة و ينسدّ به باب المنازعة و يتحفّظ به الحاكم عن التهمة، فالحكمة الإلهيّة تقتضي جعله التنصيف و العمل بكلّ في البعض ميزانا للعمل بالبيّنات في موضوع التعارض.
ثمّ إنّ هذا كلّه في منع أولويّة الجمع، و لمّا كان ذلك بمجرّده لا يلازم أولويّة الطرح اللازم من التخيير فينبغي التكلّم في ذلك.
و ليعلم أوّلا: أنّ الدليلين الظنّيين- كما هو موضوع المسألة- ليسا كالقطعيّين، فإنّ قطعيّة سند الدليل تأبى عن طرحه، فإن كان دلالتاهما ظنّية و انحصر طريق الجمع بينهما في تأويل بعيد فيهما و تنزيل كلّ منهما على احتمال لا يساعد عليه فهم العرف و لم يشهد له شاهد خارجي فالحكم ما أشرنا إليه سابقا من أنّه لا مناص فيهما من التوقّف و الرجوع إلى الأصل، و أمّا مع نصوصيّة دلالتيهما فإمّا أن يكون المورد ممّا يجوز فيه النسخ و لا يجري فيه التقيّة كما لو كانا من الكتاب أو من الأخبار النبويّة فلا مناص فيهما من التزام النسخ بجعل أحدهما ناسخا و الآخر منسوخا، و لا بدّ في تميز الناسخ من المنسوخ معرفة التاريخ، أو يكون ممّا يجوز فيه التقيّة و لا يجري فيه النسخ كما لو كانا من الأخبار الإماميّة فلا مناص من التزام جهة التقيّة في صدورهما، و إن لم يقصد بها العمل و لا إظهار الموافقة في المذهب بل مجرّد إلقاء الخلاف بين الشيعة على ما ورد في الروايات مع إشكال فيه يأتي وجهه في بحث المرجّحات.
بخلاف ما لو كانا ظنّيين سندا فإنّ احتمال النسخ لا يجري فيهما و إن كانا من الأخبار النبويّة، لعدم جواز النسخ بخبر الواحد، و احتمال التقيّة يندفع بالأصل، و حينئذ فإذا لم يكن الجمع بالمعنى المتقدّم أولى فقد يقال بأولويّة الطرح تمسّكا ببناء العرف، فإنّ أوّل ما يلاحظه العرف عند سماع الخبر إنّما هو الدلالة و المضمون، فإذا عارضه مثله كما في «أكرم زيدا» و «لا تكرم زيدا» يبقى متردّدا و متحيّرا و يشاهد نفسه عاجزا من العمل بهما معا لانتقاله إلى عدم إمكانه فيختار أحدهما للعمل و يطرح الآخر من جهة تفطّنه بكون أدلّة الحجّية و الاعتبار مقيّدة بالإمكان و لا ممكن إلّا هذا، و ذلك عندنا ليس بسديد، لأنّه لو لم ندّع كون بناء العرف في نحو ذلك من جهة التحيّر الناشئ من التعارض على التوقّف و العمل بالأصل إلى أن يتبيّن المخرج منه فلا أقلّ من منع كون بنائهم على التخيير.