الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٤٩ - دفع شبهات الأخباريّة في نفي الحاجة إلى علم الرجال
..........
فالعلم العادي يشارك العلم العقلي في عدم قبول حقيقته الواقعيّة ما دامت موجودة لاحتمال الخلاف، و يفارقه في أنّ الحاكم بامتناع الخلاف في الثاني هو العقل و في الأوّل هو العادة لا غير.
فما اشتهر في الألسنة و الأفواه من أنّ العلوم العاديّة ممّا يحتمل النقيض تعليلا بما في عدا الأوّل من الأمثلة الثلاث المذكورة من تجويز العقل لانقلاب الجبل ذهبا و الأواني علماء ممّا لا ينبغي الالتفات إليه، بعد ملاحظة أنّ حكم العقل لا يخالف حكم العادة في القضيّة الّتي ينظر في حكمها العادة، فإنّ المأخوذ في ماهيّة العلم هو انتفاء الاحتمال الذهني للخلاف، على معنى عدم معارضة الإدراك المتعلّق بإحدى طرفي النسبة لاحتمال وقوع الطرف الآخر و لو مرجوحا، و هذا المعنى حاصل في العلوم العاديّة أيضا بل و في الأمثلة المذكورة أيضا، و الّذي يوجد فيها من التجويز العقلي إنّما هو تجويز إمكاني، و إن أبيت إلّا و أن تسمّيه بالاحتمال فهو احتمال بالمعنى المرادف لقابليّة المحلّ بحسب ذاته، على معنى أنّ كلّا من البحر و الجبل و الأواني بملاحظة ما فيها من الإمكان الذاتي بالنظر إلى قدرته تعالى قابل للانقلاب المذكور و إن لم يكن هذا الانقلاب واقعا في الخارج بمقتضى العادة.
و لا ريب أنّ كون الشيء محتملا للوقوع بمعنى القابليّة غير كونه محتملا له بحسب الذهن، نظرا إلى أنّ قابليّة الوقوع أعمّ من فعليّة الوقوع، و متعلّق الجزم العادي هو عدم الفعليّة و هو لا ينافي الجزم العقلي بالقابليّة لتصادق القضيّتين و عدم مناقضتهما حسبما قرّر في محلّه من اشتراط التناقض بوحدة القضيّتين في القوّة و الفعل، و لذا لا يتحقّق بين عدم كتابة زيد فعلا و كتابته قوّة تناقض حتّى أنّه جاز تعلّق الجزم و اليقين بكلتيهما، و هذا ممّا لا سترة عليه.
فالعلم كائنا ما كان ينافي احتمال خلافه ذهنا ما دام نقيض معلومه محكوما عليه بالامتناع و لو عادة، و إن كان قد يشتبه الحال فيطلق لفظه غفلة من الاحتمال، أو منشأه على ما يزعم كونه من الصور الذهنيّة خالصا عن الاحتمال و هو بحسب الواقع ليس كذلك، و منه ما ادّعى من العلم بحياة زيد الغائب لحظة المحتمل لموته فجأة، فإنّه ما دام الغفلة عن هذا المنشأ صورة علم لا أنّه علم في الحقيقة، و لذا مع التفطّن ينكشف مقارنته الاحتمال المركوز في النفس حيث لا قاضي بامتناع وقوع الخلاف و هو الموت من العقل و لا الشرع و لا العادة.