الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٠٥ - في مشروعيّة الاجتهاد
..........
شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه» و قوله (عليه السلام): «الشكّ بعد الانصراف لا يلتفت إليه» و قولهم (عليهم السلام): «لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ و إنّما ينقضه بقين آخر».
و ذلك: أنّ الأنظار العقليّة إذا كانت مادّة الفكر فيها و صورته مأخوذين عن أهل العصمة فلا ريب في جواز العمل بها لأنّه معصوم عن الخطأ، و لا شكّ أنّ مفاد الأخبار المذكورة هو التفريع على الاصول المأخوذة عن الأئمّة (عليهم السلام) خاصّة. و هو عين مذهب الأخباريّين و خلاف دعوى المجتهدين.
و وهنه واضح لمن له أدنى تأمّل، فإنّ الاصول يراد بها هنا الأحكام الكلّية المأخوذة في القضايا المنصوصة لوازم لعناوين كلّية مأخوذة في تلك القضايا موضوعات لتلك الأحكام، و هذه اللوازم قد تكون بأنفسها ملزومات لأحكام كلّية اخر هي بالقياس إلى هذه العناوين أيضا لوازم بالواسطة، و التفريع مقول بالاشتراك على إجراء هذه الأحكام في الجزئيّات المندرجة تحت ملزوماتها و على ترتيب لوازمها الّتي هي من آثارها على تلك الملزومات.
و من البيّن أنّ الجزئيّات قد تكون بين ظاهرة و خفيّة، كما أنّ اللوازم قد تختلف في كونها بيّنة اللزوم و غير بيّنة اللزوم، و الجزئي قد يكون ثابت الجزئيّة و يشكّ مع ذلك في شمول القضيّة المنصوصة له و عدمه، و قد يكون الشيء مشكوكا في جزئيّته لشبهة في الاندراج أو في الصدق، و اللازم قد يكون مع ثبوت لزومه للحكم مشكوك الثبوت لملزومه، و قد يتوقّف في لزومه له على وسط عقلي أو نقلي.
و لا ريب أنّ التفريع لو اريد به ما هو على الوجه الكلّي لا يتأتّى إلّا بعد إعمال ظنون اجتهاديّة كثيرة يحرز بها شمول القضيّة لما شكّ في شمولها له أو الفرديّة لما شكّ في فرديّته من جهة الاندراج أو الصدق، أو ثبوت لازم الحكم لما هو ملزوم له أو لزوم ما شكّ في لزومه للحكم ليترتّب على ملزومه، و لو اريد بالتفريع مجرّد إجراء الحكم في الأفراد الظاهرة و ترتيب اللوازم البيّنة لا غير فهو من مقتضى ظاهر القضيّة، إذ كلّ قضيّة منصوصة تنصرف بظاهر العرف إلى أفرادها الظاهرة و لوازمها البيّنة من غير حاجة له إلى إعمال نظر و لا اعتبار فكر، فيبقى التفريع المأمور به في الروايات بلا مورد، لظهورها في كون المراد بالتفريع المأمور به ما يتوقّف في حصوله على عمل من الراوي و يحتاج في تحقّقه إلى نظر و فكر منه.
و الحاصل نصوص الباب ظاهرة في ترخيص رواتها في الاجتهاد بإعمال الظنون الاجتهاديّة و حملهم على إعمال النظر و الفكر اللذين يقصر أصل القضيّة المتلقّاة عن الإمام عن إفادة مؤدّاهما.