الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٥٩ - فصل التعارض بين مرجّح الصدور و مرجّح جهة الصدور
..........
و رابعها: كون الخبر الموافق يجري فيه من احتمال التقيّة ما لا يجري في الخبر المخالف إمّا للعلم بأنّه على تقدير الصدور إنّما صدر لبيان الواقع، أو لكون احتمال التقيّة فيه أضعف منه في الآخر، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية «ما سمعته منّي يشبه قول الناس ففيه التقيّة، و ما سمعته منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه».
و من الظاهر أنّ مرجّح الصدور لا يعارض مرجّح جهة الصدور على الوجه الأوّل، لأنّ قضيّة إطلاق التعبّد الشرعي حسبما بيّنّاه طرح الخبر الموافق و لو كان رواية أعدل، و كذلك على الوجه الثاني لأنّ موافقة مذهب العامّة إذا كانت في نفسها مفسدة قبالا لمصلحة المخالفة فلا تأثير لأعدليّة الراوي في رفعهما، و كذلك على الوجه الثالث لأنّ مخالفة [العامّة] إذا أوجبت أقربيّة الخبر إلى الواقع و أبعديّة معارضه عن الواقع فلا يزاحمها أعدليّة راوي المعارض الموجبة لكونه أقرب إلى الصدور، لأنّ غاية ما يقتضيه الترجيح به الحكم عليه بكونه صادرا عن المعصوم، و هذا لا يلازم كونه أقرب إلى الواقع، لأنّ الخبر قد يصدر تقيّة أو لا لبيان الواقع لمصلحة غير التقيّة.
و أمّا على الوجه الأخير فربّما يتراءى في بادئ النظر وقوع التعارض بينهما، إذ المفروض عدم معلوميّة صدور الخبرين كما في المتواترين اللفظيّين و قضيّة مرجّح الصدور طرح الخبر المخالف على أنّه غير صادر، و مقتضى مرجّح جهة الصدور طرح خبر الأعدل على أنّه على تقدير الصدور إنّما صدر على وجه التقيّة، و هما مدلولان متنافيان و لا نعني من التعارض إلّا هذا.
و بعبارة اخرى: أنّ كلّا من المخالف و الموافق أقوى احتمالا من الآخر في جهة و أضعف احتمالا منه في جهة اخرى، ضرورة أنّ الخبر المخالف يحتمل فيه من عدم الصدور ما لا يحتمل في الخبر الموافق بملاحظة أعدليّة راويه فإنّه أبعد من الكذب و الافتراء، كما أنّ الخبر الموافق يحتمل فيه من الصدور تقيّة ما لا يحتمل في الخبر المخالف بملاحظة كونه مخالفا، فللكلّ رجحان و مرجوحيّة.
و حينئذ فينبغي القطع بأنّ الترجيح إنّما هو لمرجّح الصدور، لأنّ له نحو موضوعيّة لمرجّح جهة الصدور، لأنّ الخبر إنّما يحكم عليه بكونه صدر لبيان الواقع بعد إحراز صدوره، و الصدور في المتعارضين يحرز بمرجّحه، و أعدليّة الراوي في الخبر الموافق إذا أوجبت الحكم على الخبر المخالف بعدم الصدور فلا يبقى لمرجّح جهة الصدور محلّ يترجّح به