الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ١٤٠ - حجّة القول بجواز التقليد لمن تمكّن من الاجتهاد
..........
جميع المكلّفين لانتفاء مقدّماته عن الجميع، فلا يعقل كون الخطاب به متوجّها إلى الجميع على نحو التخيير بل الّذي يصلح لأنّ يتوجّه الخطاب به إلى الجميع إنّما هو الاجتهاد بمعنى تحمّل المشقّة في تحصيل تلك المقدّمات مع ما في كون ذلك مقدورا لكلّ واحد من الآحاد من الإشكال ما لا يخفى، بل القدرة على هذا المعنى أيضا منتفية عن أكثرهم.
نعم القدرة على تحمّل مئونة القادر عليه عامّة لكن لا للجميع أيضا.
و بالجملة: الخطاب الكفائي في جميع مراتبه و فروضه كالخطاب العيني لا بدّ و أن يخصّ بالمتمكّنين من متعلّقه، و الّذي يسلّم كون الخطاب به كفائيّا من معنى الاجتهاد هو المعنى الثاني، فإذا قام من يقدر عليه و يقوم به الكفاية و أقدم عليه إلى أن يفرغ من استحصال المقدّمات بأسرها سقط الفرض عن الآخرين و يصير هو بذلك مجتهدا بالملكة فيتوجّه إليه حينئذ الخطاب بالاجتهاد بالمعنى الأوّل عينا، فلا تنافي بين القضيّتين أصلا.
نعم قضيّة ما فصّلناه كون الأمر بالاجتهاد بهذا المعنى مشروطا بحسب الواقع، و لا ينافيه وروده في الآية بعبارة الإطلاق لأنّ المحقّق عندنا- على ما قرّرناه في محلّه- أنّ المشروط في الحقيقة مطلق مخصوص بواجدي الشرط و إن ورد في القضيّة بعبارة التعليق و الاشتراط، فوروده في الآية مطلقا من جهة اختصاصه بموضوعه الّذي هو واجد للشرط، فليتدبّر جدّا.
و رابعها: أنّه حكم يسوغ فيه الاجتهاد، فجاز لغير العالم تقليد العالم كالعامي، لجامع العمل بالظنّ المستند إلى قول الغير.
و الظاهر أنّ الاجتهاد في عبارة هذا الدليل مراد به القياس على ما هو من مصطلح العامّة، فمحصّل الدليل حينئذ: أنّ جواز التقليد في محلّ البحث حكم يجوز فيه القياس، و قوله: «فجاز لغير العالم» إلخ تقرير لهذا القياس الجائز في هذا الحكم. فجوابه أوّلا: بمنع جواز القياس لبطلانه في جميع الأحكام.
و ثانيا: بمنع جامعيّة الجامع المذكور، فإنّ التقليد تعبّد لا أنّه عمل بالظنّ المستند إلى قول الغير.
و ثالثا: بإبداء الفارق من حيث إنّ العامي إنّما جوّز له العمل بهذا الظنّ لعدم تمكّنه من غيره بخلاف المقام.
و خامسها: الإجماع على قبول خبر الواحد عن المجتهد بل عن العامي، و وجوب عمل المجتهد اعتمادا على عقله و دينه، و هذا قد أخبر المجتهدين منتهى بذل الجهد فجواز العمل به أولى.