الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٥٨ - فصل التعارض بين مرجّح الصدور و مرجّح جهة الصدور
..........
الصدور و مرجّحات الصدور أو لا؟ ثمّ النظر في ترجيح أحدهما على الآخر على تقدير وقوع التعارض، و الظاهر أنّ الحكم في المسألتين يختلف باختلاف الوجوه المحتملة في الترجيح بمخالفة العامّة و مرجّحيته، فإنّ ذلك يحتمل وجوها:
أحدها: كونه لمجرّد التعبّد، على معنى أنّ الشارع أوجب علينا الأخذ بما يخالف العامّة و طرح ما يوافقهم تعبّدا محضا من دون نظر إلى الواقع، و لا إلى أنّ الأوّل مطابق للواقع أو أقرب إليه و الثاني مخالف له أو أبعد عنه.
و ملخّصه: كون الواقع بالمرّة ملغى في نظره، كما هو المنساق من إطلاق كثير من الأخبار المتقدّمة الآمرة بالأخذ بما يخالفهم من دون تعليل له بما يأتي.
و ثانيها: حسن مجرّد المخالفة، على معنى أنّ المخالفة في نفسها مصلحة أوجبت كون الأخذ بالمخالف محبوبا و مطلوبا للشارع، و الموافقة لهم في نفسها مفسدة أوجبت كون الأخذ بالموافق مبغوضا للشارع و إن كان مؤدّاه حقّا، نظير منع الاستناد إلى القياس و كونه مبغوضا و إن كان مؤدّاه حقّا، كما ربّما يومئ إليه بعض الأخبار مثل مرسلة داود بن الحصين:
«أنّ من وافقنا خالف عدوّنا، و من وافق عدوّنا في قول أو فعل فليس منّا و لا نحن منه» و رواية الحسين بن خالد: «شيعتنا المسلّمون لأمرنا الآخذون بقولنا المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منّا، فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): خالفوهم ما استطعتم».
و ثالثها: مطابقة المخالف لهم الواقع أو كونه أقرب إليه و الموافق بخلافه، كما يشهد له التعليل: «بأنّ فيه الرشاد»، أو «أنّ الرشد في خلافهم»، أو «أنّ الحقّ في خلافهم» في غير واحد من الأخبار المتقدّمة.
و في معناها رواية عليّ بن أسباط قال: قلت للرضا (عليه السلام): يحدث الأمر لا أجد بدّا من معرفته، و ليس في البلد الّذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ فقال: «ائت فقيه البلد و استفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإنّ الحقّ فيه».
و خبر أبي إسحاق الأرجائي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أ تدري لم امرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامّة؟ فقلت: لا أدري، فقال: إنّ عليّا (صلوات اللّه عليه) لم يكن يدين اللّه بشيء إلّا خالف عليه العامّة إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألونه (صلوات اللّه عليه) عن الشيء الّذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم بشيء جعلوا له ضدّا من عندهم ليلبسوا الحقّ».