الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٩٥ - المسألة الاولى في التخطئة و التصويب في المسائل العقليّة الكلاميّة
..........
و كلّ مقصّر في اجتهاده آثم.
أمّا الكبرى: فبحكم المقدّمة الاولى من الدليل.
و أمّا الصغرى: فبحكم المقدّمة الثانية، إذ المراد بالدليل المنصوب هو الدليل الواضح القاطع الّذي يجده من طلبه لئلّا يلزم تكليف ما لا يطاق، فمن لم يجده لم يطلبه بحكم عكس النقيض، و من لم يطلبه فقد فرّط في تحصيل الواجب الّذي هو العلم و المفرّط مقصّر جدّا.
و قد يقرّر الدليل- على ما في نهاية العلّامة كما عن المحصول-: «بأنّ اللّه تعالى نصب الأدلّة القاطعة على هذه المطالب و مكّن العقلاء من معرفتها، فوجب أن لا يخرجوا عن العهدة إلّا بالعلم».
و اجيب عن التقرير الأوّل: بالمنع من وضعه تعالى أدلّة قاطعة على تلك المطالب يتمكّن العقلاء من معرفتها، و الخطاب بالعلم الوارد في الآية متوجّه إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و له من وفور العقل و دقّة النظر و كمال الحدس ما ليس لأحد من أمّته، فلا جرم كلّفه بالعلم به لتمكّنه منه، و لمّا كانت عقول الامّة قاصرة عن ذلك و فطنتهم ضعيفة لم يكلّفهم بالعلم حذرا عن تكليف الغافل و تكليف ما لا يطاق. و غرض المجيب منع كون المجتهد المخطئ في المعارف مقصّرا باعتبار منع تكليفه بالعلم فيها من جهة منع نصبه تعالى أدلّة يتمكّن من معرفتها العقلاء، فلا يكون آثما.
و هل هو في مراد المجيب لعدم تكليفه فيها رأسا من باب السالبة بانتفاء الموضوع كفاقد الطهورين بالنسبة إلى الصلاة، أو لخروجه عن عهدة تكليفه و هو التكليف بمؤدّى اجتهاده و هو اعتقاده جزما أو ظنّا و إن تعلّق بالباطل؟ احتمالان، منشأهما رجوع النفي في قوله: «لم يكلّفهم بالعلم» إلى جنس العلم الّذي هو عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بناء على أنّ قصوره و عجزه عن الوصول إلى الواقع و إدراك نفس الأمر ينهض عذرا عقليّا كاشفا عن عدم توجّه تكليف إليه بالاعتقاد في الواقع كالحائض إذا طرأها الحيض في أثناء نهار رمضان، سواء كان قصوره من جهة تأدية اجتهاده إلى الجزم بالباطل و إن كانت زيادة النظر بعده مقدورة له بحسب الواقع، أو من جهة عدم تمكّنه من زيادة النظر و إن كان اجتهاده قد أدّى إلى الظنّ بالباطل أو إلى أحد فصليه: الجزم أو المطابقة بناء على وقوع التعبّد بالظنّ في اصول الدين و إن تعلّق بالباطل، أو كفاية الاعتقاد الجازم فيها [١] و إن
[١] عطف على قوله: «منشأهما رجوع النفي في قوله: لم يكلّفهم بالعلم إلى جنس العلم» الخ.