الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٦٥ - توقّف الاجتهاد على العلم باصول الفقه
..........
و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظيما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لم ينس بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع لم يزد فيه و لم ينقص منه و علم الناسخ و المنسوخ فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ، فإنّ أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثل القرآن ناسخ و منسوخ، و خاصّ و عامّ، و محكم و متشابه، قد كان يكون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الكلام له وجهان: كلام عامّ و كلام خاصّ مثل القرآن، و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [١] فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» إلى آخره.
فانظر إلى مضامين هذا الحديث الشريف و فقراته و ما أشار إليه من جملة كثيرة من مسائل اصول الفقه كانت معمولة لديهم متداولة عندهم على وجه علم به الإمام فرضي به و لم يردعهم، بل أمر ضمنا بمراعاة جملة اخرى منها كما يظهر بالتأمّل.
و العمل بأوامر الشرع و نواهيه كيف يعقل مع عدم فهم المعنى المراد منهما، و لا يعقل الفهم من غير الإذعان فيهما و لو ظنّا بكونهما للإيجاب و التحريم أو الندب و الكراهة أو لهما معا بطريق الاشتراك لفظا و معنى، و لا الإذعان بأنّ الأمر يفيد المرّة و التكرار و الفور أو التراخي أو طلب الماهيّة، و أنّه إذا وقع عقيب الحظر فحكمه ما ذا؟ و إنّ الأوامر و كذا النواهي الصادرة عن الأئمّة صارتا من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة كما ذهب إليه بعض الأصحاب أو لا كما عليه المعظم؟
فلو اريد بالعلوم اللغويّة الموجبة لفهم الأوامر و النواهي ما يفيد جميع ذلك و غيره ممّا يرتبط به فهم خطابات الشرع كتابا و سنّة فهو اعتراف بعين المدّعى من قيام الحاجة إلى معرفة المسائل الاصوليّة فيعود النزاع لفظيّا، و نحن لا نقصد من مسائل علم الاصول إلّا الامور المذكورة و نظائرها إن شئتم سمّوها بهذا الاسم أو بغيره، و لو اريد بها ما لا يفيد ذلك كلّا أم بعضا. فدعوى الفهم غير مسموعة، فالحكم على من هذه حاله بوجوب التقليد إنّما هو لانصحار طريقه فيه و عدم تمكّنه من غيره، فكلّ من جهل مسائل علم اصول الفقه كلّا أو بعضا على وجه لا يغنيه ما علمه في التوصّل إلى الاستنباط على الوجه الشرعي و حسبما هو قانونه عند أهل الشرع ليس وظيفته إلّا التقليد، لا لأنّه جاهل بل لأنّ هذا الجهل موجب لعدم تمكّنه من فهم الأدلّة.
[١] الحشر: ٥٩.