المستند في شرح العروة الوثقى - ط دار المؤرخ العربي - البروجردي، الشيخ مرتضى - الصفحة ١٩٠ - فصل في النيابة
فلو كنا
نحن والآية المباركة ولم يكن لدينا دليل خارجي لاقتصرنا على نفس سكنة مكّة
ولم نتعد إلى من ابتعد عنها حتى بمقدار خمسة أميال أو أربعة فضلاً عن اثني
عشر ميلاً، فإنّ ظاهرها أنّ هذا حكم للحاضر بمكّة دون غيره من غير فرق بين
الاثني عشر أو الأقل أو الأكثر، غير أنّ الدليل الخارجي وهو صحيحة زرارة
فرض علينا الالتزام بكون الحد ثمانية وأربعين ميلاً حسبما عرفت.
بل لولا
هذه الصحيحة لأمكن الاستدلال لهذا القول بوجه آخر لعله أولى من جميع ما
مرّ، بأن يقال: إنّ الآية المباركة قد دلّت على أنّ حجّ التمتع فريضة لكل
من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وهذا عنوان عام يشمل كل من لم يكن من
سكنة مكّة المكرمة وقاطناً في هذه البلدة المعظمة، وقد ألحق بهم بالإجماع
القطعي والتسالم الخارجي بل الضرورة مقدار معين محدود وهو من ابتعد عنها
باثني عشر ميلاً إلحاقاً حكمياً، فإنّ هذا المقدار مقطوع به عند الأصحاب
على ما دلّت عليه الروايات أيضاً المتضمنة أنّه لا متعة على أهل مرّ و سرف
الواقعين فيما بين هذا الحد فيقتصر في التعدي على هذا المقدار الذي هو
القدر المتيقن ويرجع فيما عداه إلى نفس الآية المباركة من غير حاجة إلى
التمسك بغيرها من العمومات أو الإطلاقات.
ولكنه يندفع بما عرفت من توقفه
على عدم تمامية صحيحة زرارة، وأما بالنظر إليها وهي معتبرة السند والدلالة
المؤيدة بخبره الآخر كما مر، فلا مجال لهذا الاستدلال بوجه، وقد عرفت أنّ
حملها على إرادة الجوانب الأربعة من أبعد أنحاء الحمل.
وعليه فالصحيح ما نسب إلى الأكثر تارة وإلى المشهور أخرى بالتحديد بثمانية وأربعين ميلاً حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.