موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٠٨
الدواب والكلاب وغير ذلك.
وهل يشك في ذلك عاقل وهو يرى أنّ الله تعالى جعل احتراماً لصخرة صماء بسبب وقوف إبراهيم الخليل(عليه السلام) عليها حين بنى البيت فقال عزّ من قائل: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾[١]. أفيجعل الله احتراماً لمقام رجل خليله، ولا يجعل احتراماً لمدفن جسده، أو مدفن جسد سيّد أنبيائه؟!
وإذا كان له هذا الاحترام، فلماذا حرّم تقبيله، والطواف والتبرّك به، والصلاة عنده، ودعاء الله تعالى كما يصلّى عند مقام إبراهيم(عليه السلام) ويدعى؟ فإن كان لتوهم أنّه عبادة له كعبادة الأصنام، فهو توّهم فاسد ; لأنّ احترام من جعل الله له حرمة احترام لله، وعمل بأمر الله، وعبادة وإطاعة لله، فهو كتقبيل الحجر الأسود، وتعظيم الكعبة، والحرم والمقام، والمساجد، والتبرّك بماء زمزم، وسجود الملائكة لآدم[٢].
ثانياً: كما أنّ الخوارج متصلّبون في الدين مواظبون على الصلوات وتلاوة القرآن والعبادة حتّى اسودّت جباههم من طول السجود، متمسّكون بظواهر القرآن والسنّة قشرين، حتّى أنّه ورد أنّ إنساناً منهم ضرب خنزيراً برّياً بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، والتقط أحدهم تمرة من الطريق فوضعها في فمه، فبادر آخر وطرحها من فمه.
فهم أكثر المسلمين عبادة ومحافظة على الصلاة، حتّى عرفوا بأهل الجباه السود من كثرة السجود، ومع ذلك كانوا لا يتورّعون عن سفك الدماء، ونهب الأموال، والإخلال بالأمن، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أسروه وامرأته معه، وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد الله
[١] البقرة -٢- : ١٢٥.
[٢] كشف الارتياب في أتباع محمّد بن عبد الوهاب: ١٠٩ - ١١٠.