موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٤٦
و(الخلافة) أمر كانت تحدّثه به نفسه الشريفة، ويشير إليها أنّها ستكون ملكاً عضوضاً بعد الثلاثين سنة، وثبت أنّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش»[١] إلى ما لا يحصى، وسيرته والأحاديث عنه – وما أكثرها - تشهد شهادة قطعيّة على ما كان من اختلاف أُمّته، وعلى أنّ الخلافة والإمامة من أُولى القضايا التي كانت نصب عينيه. وهل وضع حلاًّ للخلاف؟
إذن كان صلى الله عليه و آله و سلم عالماً بأنّ الدهر سيقلب الأُمّة صفحة مملؤة بالحوادث والفتن، والخلافات والمحن، وأن لابدّ لهم من خلافة وإمارة، فلابدّ أن نفرض أنّه قد وضع حلاًّ مرضيّاً لهذا الأمر يكون حدّاً للمنازعات، وقاعدة يرجع إليها الناس، لتكون حجّة على المنافقين والمعاندين، وسلاحاً للمؤمنين، ما دمنا نعتقد أنّه نبيّ مرسل جاء بشيراً ونذيراً للعالمين إلى يوم يبعثون، فلم يكن دينه خاصّاً بعصره، ليترك أُمّته في ذلك، ولا يصحّ من حاكم عادل أن يحكم بنجاة فرقة واحدة على الصدفة من دون
بيان وحجّة تكون سبباً لنجاتهم باتّباعهم، وسبباً لهلاك باقي الفرق بتركها.
لنفرض أنّ الحديث والتأريخ لم يسجّلا لنا الحلّ الذي نطمئنّ إليه، فهل يصحّ أن نصدّقهما بهذا الإهمال، ونوافقهما على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ترك أُمّته سدى وفي فوضويّة لا حدّ لها، يختلفون ويتضاربون، ثمّ يتقاتلون، وتراق آلاف الدماء المسلمة، ساكتاً عن أعظم أمر مُني به الإسلام والمسلمين، مع أنّه كان على علم به؟!
ولو كنّا نصدّقها مستسلمين لكذّبنا عقولنا وتفكيرنا، فإنّ الإسلام جاء رحمة لينقذ العالم الإسلامي من الهمجيّة والجاهليّة الأولى، فكيف يقرّ تلك المجازر البشريّة في أقصى حدودها، تلك المجازر التي لم يحدّث التأريخ عن مثلها ولا عن بعض منها في عصر الجاهليين.
فما علينا إلاّ أن نتّهم التأريخ والحديث بالكتمان وتشويه الحقيقة بقصد أو بغير
[١] صحيح مسلم ٦: ٣.