موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٢١
والظلم، ونظري في بعض آخر كقبح الصدق الضار، أو حسن الكذب النافع، كما أنّه لا حكم له في قسم ثالث من الأفعال كالعبادات والمخترعات الشرعيّة، بل يحتاج في تشخيص حسنها أو قبحها إلى الشرع الكاشف عنهما، فدعوى الحُسن والقبح والعقليّين بلا واسطة الشرع في بعض الأفعال لا جميعها[١].
فالنتيجة في ذلك كلّه: من أنّ الله عزّ وجلّ عادل كريم، خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وعمّهم بهدايته، بدأهم بالنعم، وتفضّل عليهم بالإحسان، لم يكلّف أحداً إلاّ دون الطاقة، ولم يأمره إلاّ بما جعل له عليه الاستطاعة، لا عبث في صنعه، ولا تفاوت في خلقه، لا قبيح في فعله، جلّ عن مشاركة عباده في الأفعال، وتعالى عن اضطرارهم إلى الأعمال، لا يعذّب أحداً إلاّ على ذنب فعله، ولا يلوم عبداً إلاّ على قبيح صنعه، لا يظلم مثقال ذرّة ; فإنّ تكُ حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً.
وعلى هذا القول جمهور أهل الإماميّة، وبه تواترت الآثار عن آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليه يذهب المعتزلة بأسرها إلاّ ضراراً منها وأتباعه، وهو قول كثير من المرجئة، وجماعة من الزيديّة والمحكّمة، ونفر من أصحاب الحديث، وخالف فيه جمهور العامّة، وبقايا ممّن عددناه، وزعموا أنّ الله تعالى خلق أكثر خلقه لمعصيته، وخصّ بعض عباده بعبادته، ولم يعمّهم بنعمته، وكلّف أكثرهم ما لا يطيقون من طاعته، وخلق أفعال جميع بريّته، وعذّب العصاة على ما فعله فيهم من معصيته، وأمر بما لم يرد، ونهى عمّا أراد، وقضى بظلم العباد، وأحبّ الفساد، وكره من أكثر عباده الرشاد. تعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً[٢].
[١] بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإماميّة ١: ١٠٧.
[٢] أوائل المقالات: ٥٨.