موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥١٩
غير أنّ بعض المسلمين جوّز عليه تعالى فعل القبيح، تقدّست أسماءه، فجوّز أن يعاقب المطيعين، ويدخل الجنّة العاصين بل الكافرين، وجوّز أن يكلّف العباد فوق طاقتهم، وما لا يقدرون عليه، ومع ذلك يعاقبهم على تركه، وجوّز أن يصدر منه الظلم والجور والكذب والخداع، وأن يفعل الفعل بلا حكمة وغرض، ولا مصلحة، متمسّكين بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾[١].
ومرجع الخلاف بين العدليّة وغيرهم في نقطة مركزية ومحوريّة أساسيّة، وهي قبول مسألة الحُسن والقبح العقليّين وإنكارها، فإنّ الشيعة والمعتزلة في رأيهم حول موضوع العدل الإلهي يطلق عليهما بمصطلح الكلامي (العدليّة) مقابل الأشاعرة، ولأجل أهميّة هذا الموضوع، اعتبر من المواضيع الرئيسيّة في علم الكلام، وممّيزات المذهب الكلامي للشيعة والمعتزلة.
فقد أنكر الأشاعرة الحُسن والقبح العقليّين، واعتقدوا بأنّ الحُسن في الأمور التكوينيّة هو ما يفعله الله، وأمّا في الأمور التشريعيّة فالحُسن ما يأمر به الله، وليس الفعل في ذاته حسناً ; ولأجل ذلك يفعله الله، أو يأمر به بخلاف العدليّة، فيعتقدون بأنّ الأفعال تتّصف في ذاتها بالحُسن والقبح بغضّ النظر عن انتسابها التكويني والتشريعي لله تعالى، ويمكن للعقل - إلى حدّ ما - أن يدرك جهات الحُسن والقبح في الأفعال.
قال المحقّق نصير الدين الطوسي قدّس سرّه في شرح قواعد العقائد: «الأفعال تنقسم إلى حسن وقبيح، وللحُسن والقبح معان مختلفة:
فمنها: أن يوصف الفعل الملايم أو الشيء الكامل بالحُسن والناقص بالقبح.
وليس المراد هنا هذين المعنيين، بل المراد بالحُسن في الأفعال ما لا يستحقّ
[١] الأنبياء -٢١- : ٢٣.