موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٧٩
أثناء دعوته، كالحصار القاتل في الشعب الذي عانى فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أشدّ المعاناة، لكنّه صبر ولم يتوان عن الاستمرار في بثّ رسالته المقدّسة، وأيضاً نراه صلى الله عليه و آله و سلم صبر وثبت أمام الإغراءات المثيرة التي قدّمها إليه رجالات قريش، والتي كانت واحدة منها كافية لتغري غيره بكلّ سهولة، كي يتنازل عن مطالباته ونشاطه، فقد عرضوا عليه أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكّة، ويزوّجوه ما أراد من النساء[١]، لكنّه أعرض عنها ورفضها رفضاً تامّاً إن كلّ ذلك الثبات ناشيء من إيمانه صلى الله عليه و آله و سلم الراسخ بدعوته، الأمر الذي حوّله إلى شخصيّة صلبه وقويّة لا يضعضعها شيء.
ثالثاً الاستعداد للتضحية: يجب على المبلّغ أن يكون مستعدّاً للتضحية بكلّ ما يملك من فكر وطاقات جسديّة ووقت وأموال وأسرة، وقد يتطلّب الأمر منه أحياناً أن يضحّي بحياته من أجل المبدأ الذي يؤمن به ويحاول إيصاله إلى الآخرين.
والحسين عليهالسلام أفضل قدوة في هذا المجال، فقد ضحّى صلوات اللّه عليه بكلّ ما يملك من أهل أصحاب ولم يكتف بذلك بل ضحّى بدمه الطاهر في سبيل أهدافه السامية وغاياته المقدّسة. وهكذا ينبغي أن يكون المبلّغ الحقيقي، فإنّ المبلّغ الضعيف والمتواني يهرب من المعركة عند أوّل مواجهة، ولا يتمكّن بذلك من النجاح في مهمّته، والرقي بمستوى عمله. وبطبيعة الحال إنّ الناس مختلفون في مستويات تحمّلهم
وطاعتهم، ولا يُتوقّع من الجميع أن يبذلوا ويضحّوا بنفس المقدار، ولكن ينبغي على كلّ مبلّغ أن يعرف مدى طاقته ويشخّص حدود قدراته، فلا يرد مورداً يتطلّب تضحيات جسام، لا يقدر عليها.
إنّ ما يقوم به «سالم» ووالده عبد القادر عمل مقدّس وجدير بكلّ إكبار
[١] تاريخ الطبري ٢: ٧٤ - ٧٥.