موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٩٣
دوّنه الصحابة من الأحاديث، فقد خطب الناس يوماً قائلاً: أيّها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبّها إلى اللّه أعدلها وأقومها، فلا يبقيّن أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي، فظنّوا أنّه يريد النظر فيها ليقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار[١].
كما أخرج ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله، أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنّة، ثمّ بدا له أن لا يكتبها، ثمّ كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء فليمحه[٢].ولمّا أعيته الحيلة ورغم تهديده ووعيده ومنعه وتحريمه، وحرقه كتب الأحاديث، بقي بعض من الصحابة يحدّثون بما سمعوا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عندما يلتقون في أسفارهم خارج المدينة بالناس اللذين يسألونهم عن أحاديث
النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فرأى عمر أن يحبس هؤلاء النفر في المدينة، ويضرب عليهم حصاراً وإقامة جبريّة.
فقد روى ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن عوف، قال: واللّه ما مات عمر حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه فجمعهم من الآفاق: عبد اللّه بن حذيفة، وأبي الدرداء، وأبي ذر الغفاري، وعقبة بن عامر فقال: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول اللّه في الآفاق، قالوا: تنهانا؟ قال: لا، أقيموا عندي، لا واللّه لا تفارقوني ما عشت[٣].
عثمان بن عفان ومنع تدوين السنّة النبويّة:
عندما جاء عثمان إلى سدّة الحكم، اتّبع نفس طريق أبي بكر وعمر، فصعد على المنبر وأعلن بصراحة قوله:
[١] الطبقات الكبرى لابن سعد ٥: ١٨٨، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥: ٥٩.
[٢] كنز العمّال ١٠: ٢٩٢، ح٢٩٤٧٦.
[٣] كنز العمال ١٠: ٢٩٣، تاريخ مدينة دمشق ٤٠: ٥٠٠.