موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٤٧
قصد، ولئن لم يكن محمّد نبيّاً مرسلاً يعلم عن وحي ويحكم بوحي فليكن – على الأقل - أعظم سياسيّ في العالم كلّه لا أعظم منه، فكيف يخفى عليه مثل هذا الأمر العظيم لصلاح الأُمّة، بل العالم بأسره مدى الدهر، أو يعلم به ولا يضع له حدّاً فاصلاً؟! وهل يرضى عاقل لنفسه وهو يتولّى شؤون بلده فضلاً عن أُمّة، أن يتركها تحت رحمة الأهواء واختلاف الآراء ولو لأمد محدود، وهو قادر على إصلاحها أو التنويه عن إصلاحها، إلاّ أن يكون مسلوباً من كلّ رحمة وإنسانيّة؟ حاشا نبيّنا الأكرم من جاء رحمة للعالمين، ومتمّماً لمكارم الأخلاق، وخاتماً للنبيّين، وقد قال اللّه تعالى على لسانه بعد حجّة الوداع: «اليوم أكملت لكم دينكم».
وقد وجدناه نفسه لا يترك حتّى المدينة المنوّرة، إذا خرج لحرب أو غزاة من غير أمير يخلفه عليها، فكيف نصدّق عنه أنّه أهمل أمر هذه الأُمّة العظيمة بعده إلى آخر الدهر من دون وضع قاعدة يرجعون إليها أو تعيين خلف بعده... وللمعتقد أن يعتقد أنّ أبا بكر تفطّن إلى سوء عواقب هذا التشريع [نظام
الشورى] فأسرع إلى تعيين الخليفة من بعده، بالرغم على جدّة هذا التشريع الذي به كان خليفة، وعلى تركّزه في النفوس، تتوقّف صحّة خلافته، كيف لا وقد شاهد هو الموقف في بيعته يوم السقيفة، وكان أدقّ من سمّ الخياط، مع غفلة الناس يومئذ عن الأمر، وانشغالهم بفاجعة نبيّهم.
وهكذا حذا حذوه خليفته، فاخترع طريقة الشورى من ستّة أشخاص، وهي تبعد كلّ البعد عن قاعدة الرجوع إلى اختيار أهل الحلّ والعقد، على أن وجدنا هؤلاء - وهم ستة لا غير - لم يتّفقوا على رأي واحد، فلعبت دورها التحيّزات والعواطف، فصغى رجل لضغنه، ومال الآخر لصهره، على حدّ تعبير الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام، ولا شكّ لم يخف على عمر استحالة حتّى اتّفاق الجماعة الصغيرة،
فحكّم فيها الأكثريّة، وعند التساوي فالكفّة الراجحة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، ومع ذلك حدّد لهم الوقت بثلاثة أيّام، وأعطى السلطة التنفيذيّة لغيرهم،