الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٢٩٤ - ٦٦- المدرسة العزيزية
شجاعا مقداما، و بلغ من عفته أنه كان له غلام تركي اشتراه بألف دينار يقال له أبو شامة، فوقف على رأسه في خلوة فنظر إلى جماله، فأمره أن ينزع ثيابه و جلس بقصد الفاحشة، فأدركه التوفيق، فنهض مسرعا إلى بعض جواريه، فقضى وطره، و المملوك بحاله، فأمره بالستر و الخروج، و أما عفته عن الأموال، فلا أقدر أن أصف حكاياته في ذلك، ثم حكى ثلاث حكايات في المعنى. و قال ابن واصل: كانت الرعية تحبه محبة عظيمة، و فجعت بموته، إذ كانت الآمال متعلقة بأنه يسد مسدّ أبيه. ثم حكى ابن واصل حكايتين في عدله و مروءته، و لما سار أخوه الأفضل مع العادل فنزلا بمدينة بلبيس، فتزلزل أمره، بذات له الرعية أموالها ليذبّ عن نفسه فامتنع، قال ابن واصل: و قد حكى أنه لما امتنع قيل له اقترض من القاضي الفاضل فان أمواله عظيمة فامتنع فألحوا عليه، فاستدعى القاضي الفاضل، فلما رآه مقبلا قام حياء و دخل إلى النساء، فراسله الأمراء و شجعوه، فخرج و قال له بعد أن أطنب في الثناء عليه: أيها القاضي قد ضاقت علي، و ليس لي إلا حسن نظرك و إصلاح الأمر برأيك أو مالك أو بنفسك، فقال: جميع ما أنا فيه من نعمكم، و نحن نقدم الرأي أولا و الحيلة، و متى احتيج إلى المال فهو بين يديك. فوردت رسالة من العادل الى القاضي الفاضل باستدعائه، فوقع الاتفاق. و قد حكي عنه ما هو أبلغ من ذلك، و هو أن شخصا جاء إلى الأمير فخر الدين جهاركس [١]، و قال: هذه خمسة آلاف دينار لك، و هذه أربعون ألفا للسلطان، و أريد قضاء الاسكندرية، و ذلك لعداوة شديدة بينه و بين القاضي الفاضل، فأخذ منه المال و اجتمع بالملك العزيز ليلا و أحضر له الذهب، و حدثه فسكت ثم قال، ردّ عليه المال، و قل له إياك و العود إلى مثلها، فما كل ملك عادلا أفأنا أبيع أهل الاسكندرية بهذا المال، قال جهاركس: فوجمت و ظهر علي بقول: أراك واجما و أراك أخذت شيئا على الوساطة! قلت نعم. قال كم أخذت؟ قلت خمسة آلاف دينار. قال أعطاك ما لا تنتفع به إلا مرة، فأنا أعطيك ما تنتفع به في
[١] شذرات الذهب ٥: ٣٢.