مجموعه مصنفات حكيم مؤسس آقا على مدرس طهرانى - زنوزى، على بن عبد الله - الصفحة ٥٣٤ - تعليقة على حاشية رسالة سر القدر
و المقدمة الثانية ان القدماء عندهم ان الثواب حصول لذة للنفس بقدر ما حصل لها من الكمال و ان العقاب حصول ألم للنفس بقدر ما يحصل لها من النقص فكان بقاء النفس فى النقص هو البعد عن اللّه و هو اللعنة و العقوبة و السخط و الغضب فيحصل لها ألم بذلك النقص و كمالها هو المراد بالرضى عنها و الزلفى و القرب و الولاية، فهذا معنى الثواب و العقاب عندهم لا غير.
و المقدمة الثالثة هى ان المعاد انما هو عود النفوس البشرية الى عالمها و لهذا قال اللّه تعالى (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً) [١] و هذه جمل تحتاج الى اقامة البراهين عليها.
فاذا تقررت هذه المقدمات قلنا ان الذى يقع فى هذا العالم من الشرور فى الظاهر فعلى اصل الحكم ليس بمقصود من العالم و انما الخيرات هى المقصودة و الشرور اعدام.
و عند افلاطن ان الجميع مقصود و مراد و ان ما ورد به الامر و النهى فى العالم من افعال المكلفين فانما هو ترغيب لمن كان فى المعلوم انه يحصل فى المامور و النهى تنفير لمن كان فى المعلوم انه ينتهى عن المنهى فكان الامر سببا لوقوع الفعل ممن كان معلوما وقوع الفعل منه و النهى سببا لانزجار من يرتدع عن القبيح، لذلك و لو لا الامر لكان لا يرغب ذلك الفاعل و لو لا النهى لكان لا ينزجر هذا فكان يتوهم ان مائة جزء من الفساد كان يمكن وقوعها لو لا النهى و اذا دخل النهى وقع خمسون جزأ من الفساد و لو لم يكن نهى وقع مائة جزء و كذلك حكم الامر لو لم يكن امر لكان لا يقع شىء من الصلاح فاذا ورد الامر حصل خمسون جزأ من الصلاح.
فاما المدح و الذم فانما ذلك لامرين احدهما حث فاعل على الخير على معاودة مثله الذى هو المراد منه وقوعه و الذم زجر من حصل منه الفعل عن معاودة مثله و لمن يحصل منه ذلك ان يحجم عن فعل ما لم يرد منه وقوعه مما فى وسعه ان يفعله و لا يجوز ان يكون الثواب و العقاب على ما يظنه المتكلمون^ من اجزاء الزانى مثلا بوضع الانكال و الاغلال و احراقه بالنار مرة بعد اخرى و ارسال الحيات و العقارب عليه فان ذلك فعل من يريد التشفى من عدوه بضرر او ألم يلحقه بتعديه عليه و ذلك محال فى صفة اللّه تعالى او قصد من يريد ان يرتدع عن المتمثل به عن مثل فعله او ينزجر عن معاودة مثله و لا يتوهم ان بعد القيامة تكوين تكليف و امر و نهى على احد حتى ينزجر او يرتدع لاجل ما شاهده من الثواب و العقاب على ما توهموه.
و اما الحدود المشروعة فى مرتكبى المعاصى فانها تجرى مجرى النهى فى انه ردع لمن ينتهى عن المعصية مما لولاه لتوهم وقوعه منه و قد تكون منفعة الحدود فى منعه عن فساد آخر و لان الناس ينبغى ان يكونوا مقيدين باحد قيدين اما بقيد الشرع و اما بقيد العقل ليتم نظام العالم الا ترى ان المحلول من القيدين جميعا لا يطاق حمل ما يرتكبه من الفساد و يختل نظام احوال العالم بسبب المنحل عن القيدين و اللّه اعلم و احكم. [٢]
[١]. سورة الفجر/ ٣٠- ٢٧.
[٢]. ابن سينا، رسالة سرّ القدر.