محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٨ - الخطبة الأولى
تكسب النفسُ زادَ التقوى فتزينها في الدنيا وتَقِيَها العار والنَّار في الآخرة، وتجعل مأواها الجنّة؛ علينا أن نراجع النفس، أن ندرسها وننظر في ما هي عليه.
وبمراجعة النفس سنجد أنَّ بنا ضعفًا، وفي إرادتنا وهنًا، وفي صدورنا أحقادًا وحسدًا، وبيننا خصومات وعداوات لا يرضاها الله سبحانه، وفي ذِمَمِنا حقوقًا لله، وحقوقًا للنّاس، وفي نيّاتنا سُقْمًا وشوائب، ولا تخلو نفوسُنا من توجُّه أو ميل لمعصية، وعندنا سوء خلق فيما بيننا، وكذلك بيننا وبين النّاس، وعدم تسامُح في موارد يحسُنُ فيها التسامح، وتسامحًا في موارد لا لِيْنَ فيها، ونعيش تقصيرًا في حقِّ المساجد وهي بالجوار منّا، وسنجد منا عُبوسًا في وجوه المؤمنين مكان البِشْر، وحالةً من الغضب والتعصُّب المخرجة عن الحقّ، البعيدة عن موازين الدّين، وإمعانًا في المجادلة من غير وجهٍ صحيح.
سنجد عندنا تضييعًا للوقت الذي يملكه الله علينا، ولا نملك حرية على الإطلاق في التصرُّف فيه، وسنذكر أنَّ عندنا خلافات منزلية يُسبِّبها جهلنا بشريعة الله، والتساهُل في الأخذ بأحكامها، وهي خلافات تُمزِّق أسرنا، ومجاملاتٍ ضارّة على خلاف مقتضى الدّين، وتقصيرًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغَلَبَة لسانٍ تُسبّب لنا كثيرًا من الخطأ والغيبة والقول المؤسف، والوقوع في الهلكات، وخلوًّا أو برودًا في الهمِّ الاجتماعي، وسلبيات كثيرة يَعيشها داخلنا، وواقعنا الخارجيّ تتجلَّى أمامنا لو درسنا النفس، وما يصدر عنها، ويترشَّح عنه ما فيها من مضمون.
وكل هذا يُعطِّل عملية الاستفادة من مدرسة الصّوم والعبادة، أو يُقلِّل درجة الانتفاع بها، وينغلق بالذَّات عن هدايات هذه المدرسة، وأنوارها، واستقبال إيحاءاتها وإشاراتها، والوصول إلى ما لها من أسرار، وما هي عليه من كنوز.