محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨٧ - الخطبة الثانية
يزيدها ولوعًا وولوغًا في مشاريعها التجزيئية المدمِّرة أنّها شعرت بعد الصحوة، والثورات والحراك العربي، وسقوط عدد من الأنظمة القمعية التي تحكم أقطارًا من أقطار الأمّة بالحديد والنار بفعل بركان الثورات بجديَّة التهديد، وأن يُطيح بها المدُّ الثوريّ كما أطاح بما يُماثلها.
كان هذا باعثًا كبيرًا للنظام العربيّ القديم ألَّا يدع لهذه الأمّة ولا لشعوبها فرصةً للرَّاحة، أو مجالًا للانسجام والتلاقي، أو خيطًا من خيوط الأخوّة الإسلاميّة ولأن يُصِرَّ على إشغالها بالخلافات والنزاعات المهلِكة التي تعمُّها، وتتخلّل كلّ صفوفها عن قضية المطالبة بالحقوق والإصلاح والتغيير ٢٤.
ويُساعد على تعميق الجراحات، وإلهاب الصراعات، وإذكاء روح الفتنة فهمٌ منافٍ للإسلام تمام المنافاة ممن يؤمن به، مطامعُ دنيوية تتستر باسم الإسلام، وتجد فيه منفذًا لمشتهياتها، رعاعٌ مضحّون ينعقون وراء كلّ ناعق، باعةُ دين وضمير وأمة لا يُقدِّسون إلا المال، وليس لديهم مقدّس يحجزهم عن ارتكاب أيّ إثم في سبيله.
وشعارُ الطائفة، وشعار المذهب هو الشّعار المختار اليوم والمفضَّل عند من لا يرحم الأمّة، ولا يُراعي حرمات الله، ولا يهمّه أمر دينه، ولا يُقدّس إلا كرسيّ حكمه وسلطانه، وهو الأكثر امتطاءً من هؤلاء الذين ابتُليت بهم الأمّة لنشر الفتنة، وتفجير الأوضاع، وهدم وحدة الأمّة، وتفتيت كيان الشّعب الواحد، وتمزيق أشلائه.
الفتنة الطائفيّة اليوم تزحفُ إلى كلِّ شِبر يمكن أن تتواجد فيه من الوطن الإسلامي لتأكل أخضرَ هذه الأمة ويابسها. وكلُّ ساعات الليل والنهار عملٌ دؤوب عند المفسدين على تحقيق هذا الهدف الإجراميّ الدَّنيء المغضِب لله ورسوله والفتّاك بالإسلام والمسلمين.
من كان في قلبه خشيةٌ لله، توقيرٌ لدينه، حِرْصٌ على عزِّ هذه الأمة، وقوّتها ووحدتها، اعتزازٌ بوطن الإسلام، احترامٌ لإنسانيّة الإنسان ووجد من نفسه القُدرةَ على فعل أو كلمة تساعد على الوقوف بالفتنة الطائفيّة عند حدِّها الذي وصلت إليه، والتخفيف منها،