محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٤ - الخطبة الأولى
وكلُّ خزائن السماوات والأرض مما به تقوم وتُحفظ وتدوم، وما يمدّها من مقاديرها التي تنتظم بها من وجود وحياة، مختلف الرزق، وما لها من القدرة على التأثير، وكل ما لها من حاجة، وكلُّ مفاتيح هذه الخزائن إنما هي لله وحده، لا شيء منها لمن سواه.
وهي خزائن غيب لا تنفد، ولا يأتي عليها نقص يتنزّل منها إلى عالم الشَّهادة بالمقدار المقدور، والوزن الموزون الذي يصلح به [١].
وقِوام تلك الخزائن قدرة لا تُحدّ، وعلم لا يتناهى، وإبداع لا ينقطع، وحياة لا تتوقّف، وإرادةٌ مطلقة لا مُعطِّل لها.
فمن بعد هذا من للكافر إذا كفر بالله؟! ومن أين يجد الخير ممن سواه؟ ومن أين يطلب النجاة التي يريد؟! وماذا ينقذه من الخسارة ويخرجه من الهلاك؟!
من أين يجد أحد مُعينًا له على خير، منقذًا له من شر، دافعًا عنه خسارة وهو يكفر ويجحد بآيات الله على نورانيتها وهداياتها التامّة استعلاءً على الحقّ وخروجًا على العدل، واعتزازًا بالباطل؟!
وللكفر خسارة في الدّنيا، وخسارة في الآخرة.
خسارة في الدنيا حيث يفقِد في حياته اليقين الذي لا يُعوّضه عنه شيء آخر، ولا يُعطيه ما يورثه من الثقة والطمأنينة، واستقرار النفس، والرّضا بمجاري القضاء، ولا يكون له بفقده له، وارتكاسته في الظلمة والشكّ والرّيب من سبيل إلى ما يوفّر له الأمل في مستقبل يعرف أنه مُقدِمٌ عليه؛ وهو مستقبل ما بعد هذه الحياة التي لا تبقى ولا تطول.
[١]- وعالم الغيب عالم القدرة، وعالم العلم، وعالم الحياة الإلهية ولا نفاد لذلك أبدًا ولا حدود له.