محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨ - الخطبة الأولى
(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً) ٢.
وخَلْقُ الإنسان من أمشاج، وتركيبُ وجوده من روحٍ لها مستواها وأُفُقها وحاجاتها ومقتضياتُها، ومن بَدَنٍ له من هذه الأمور غير ما لها سِرٌّ يقف وراء ابتلائه، وخلفيّةٌ تضعه دائمًا في دائرة الامتحان بين متطلّبات هذين المكوّنين لطبيعته، وعليه أن يأخذَ بمنهج الله عزَّ وجلَّ الذي بَعَثَ به رسله في تعامله مع هذا الواقع الثنائيّ لوجوده من أجل أن يخرجَ من الامتحان ناجحًا وإلّا كان حتمًا مصيرُه الفشل والسّقوط.
(وَ الْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ) ٣.
ويقول سبحانه: (أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) ٤.
واللهُ العليمُ الخبيرُ يعلم أزلًا صدقَ من صَدَقَ إيمانُه، وكذب من كذب إيمانُه، وأمّا الامتحان فيجسّد هذا الصدق أو الكذب ليكون متعلّقًا للعلم الإلهي بما هو عليه من تحقُّق وفعليّة في القول والفعل والسخط والرضا والتسليم والرفض والتوقُّف عن مقتضى الإيمان، ومسايرته.
تقول الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ...) ٥ يقول فيها:" أنه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبيَّن الساخط لرزقه، والرّاضي بِقِسْمِه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي يُستحقّ الثواب والعقاب" ٦.
والاختبار بالأموال والأولاد يأتي في صورتين: صورة التوسعة والتضييق، والإعطاء والمنع. فكلٌّ من ذلك فيه امتحانٌ للعبد، والنجاحُ فيه الشّكر لمن أُعطي ووُسِّع عليه، والتسليم والرِّضا بقدر الله لمن مُنع مثل الولد أو ضُيِّق عليه رزقُه. ويواجه من أُعطي الولد امتحاناتٍ