محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١ - الخطبة الأولى
عن الإمام علي عليه السلام- في المناجاة الشعبانية-:" إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حُجُبَ النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزِّ قدسك" ٣.
وعن الإمام الحسين عليه السلام من دعائه في قنوته:" اللهم وإنّي مع ذلك كلِّه عائذ بك ... مستبصر في ما بصّرتني ... فلا تُخلني من رعايتك ... واجعل على البصيرة مدرجتي" ٤.
وعن الإمام العسكري عليه السلام:" اللهم فصلّ على محمد وآله ... واستقبل بي صحّة من سُقمي، وسعة من عُدْمي، وسلامة شاملة في بدني، وبصيرة ونظرة نافذة في ديني" ٥.
مطلوب الدعاء بصيرة نافذة إلى أعماق الدّين، واصلة إلى أبعد أبعاده، معانقة حاقّ حقائقه، محيطة بكلّ دقائقه ٦.
وعندئذ لا يُبارح النفس ضياء الإيمان، وعظمة الدين، ولا يغادرها اليقين، ولا يُلهيها مُلهٍ عن الطاعة، ولا يميل بها مُغرٍ إلى المعصية، ولا تشعرُ بضعف غير الضّعف أمام الله سبحانه، ولا تلمُّ بها وحشة لخسارة من خسائر الدّنيا، وفاجعة من فواجعها ٧.
فليس بعد غنى الإيمان الحقّ بالله غنى، ولا شيء يمكن أن تجد النفس فيه غناها وهي فقيرة في الدّين.
وينتقل الحديث الآن إلى مضادَّات البصيرة، وعوامل إضعافها:
١. اتباع الهوى:
ومفارقة السّلوك لهدى الله من عقلٍ ودين، وانطلاقُه من منطلق الهوى، وما تشتهيه النفسُ معناهُ الهروبُ من البصيرة، والأخذ بالاتجاه المعاكس لها، والهوى لا معرفةَ له، ولا عِلْم، ولا إبصار، ولا رؤية.
الهوى تعلُّقاتٌ نفسيّةٌ شهوية، واندفاعة بلا حساب، وميلٌ بهيميّ، ورغبة مادية منفلتة قاضية على فُرَص التعقُّل، ومنافذ الحكمة، ومُعكِّرة لجوّ النّفس، وداخلة بالظلمة على الروح ٨، وملوّثة لأفق النفس، ومثيرة للغبرة، ومولِّدة للغشاوة، وباعثة للظلمة، ومنهكة للبصيرة.