محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧ - الخطبة الثانية
وإمّا أن تبقى السلطة على إصرارها على بقاء الشعب في موقع التهميش والإقصاء والحرمان، وتُصاعِدَ من الموقف المتشدّد، والقبضة الحديدية لإخماد الحراك الشعبيّ، وبذلك تُضاعِف من خسائر الشعب، والقتل والسجن والمفردات الأخرى من العنف.
لكن كلّ ذلك إنما يزيد في تأجيج الوضع، وإلهاب الفتنة. فهذا هو نتاج سياسة العنف، والقبضة الحديدية المشدّدة التي يختارها البعض، ولا يُفكِّر في ما سواها.
زيادة القتل، زيادة عدد السجناء، سياسة البطش تُغذّي الصراع، وتُوسّعه، وتعمِّقه، وتُبعد احتمال اللقاء على حل، وتزيد في عمر الأزمة. والأزمة كلّما مكثت كلّما أوقعت الوطن في خسائر فادحة، وفتحت عليه أبواب الشرّ التي لا خير لأحد فيها، ولا فُرصةَ انتصار لأحدٍ من خلالها.
الحدث يبدأ صغيرًا، وفي حدود ضيّقة، ويمكن احتواؤه بالطرق العقلائية المتّزنة، فإذا جاء التعامل معه استفزازيًّا، وقائمًا على سياسة كسر العظم وقطع الرِّقاب خرج عن حدِّ الحسبان وانفلت بصورة جنونية مدمِّرة يصعب احتواؤها والتحكُّم في امتدادتها.
الحلول القائمة على السياسة الأمنية تُعطي ردات فعل متوالية ومن الطرفين قد تَبْعُد نهايتها، والمشكل أنّ البعض لا يفكر إلا بعقلية أمنيّة، ولا يتحدث إلا باللغة الأمنية، ولا اختيار عنده إلا الأسلوب الأمني والقبضة الأمنية حتى يكون تفكيره محكومًا للهاجس الأمني وواقعًا في الهوس الأمني رغم ما يشهده من آثار سيئة شديدة السّوء والخطورة لممارسة الأسلوب الأمنيّ والإصرار عليه.
تجارب كثيرة من تجارب الأسلوب الأمنيّ الذي طالت ممارستُه من قِبَل السّياسة في هذا البلد وأعطى نتائج عكسية لما قد يُتصور أنها ستؤدي إليه من إخماد جذوة الحراك المطلبي، وأضرت بمصالح الوطن، ومدّت في عمر الأزمة، ومع ذلك لم يُعطِ ذلك درسًا للمعنيين في فشل هذه السياسة.