محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٤ - الخطبة الأولى
هذه الذّوات هي التي تدفع سابقتها مسخَّرة بأن تُغري وتُرهب وتُضِلّ جماهير الناس لقبول الخدمة، والدّخول في الطّاعة، وانكسار الإرادة، والتنازل عن الحرية والكرامة ونسيان الذات، وإخلاص العبادة للطواغيت. وطريق الفئة المتفرعنة إلى الفئة العميلة لتكون أداتها الطيّعة لإضلال النّاس، وسرقة وعيهم، ومسخ إنسانيتهم وتدجينهم على طريق الطاعة هي نفوسٌ تتهافت على الدّنيا، وتميع من أجلها، وتسترخص كلّ قيمة وخلق وشرف ودين في سبيل الاحتفاظ بها، والتمتُّع بزينتها، وبذلك تتوافق إرادة السّيد والعبد، ويجد كلُّ طرفٍ منهما ضالّته في الآخر، ومنطلقهما واحد في هذا التلاقي في الإرادتين وهو دنيا متوفّرة بيد طرف ويهمُّه المحافظة عليها وتوسّعها، ويطلبها الآخر، وكلّ بحثه عنها.
الفئتان تبنيان لنفسهما حاضرًا باذخًا خارجًا وتهدمان من قيمتهما الإنسانية، وتتسافلان في داخلهما طوال الحياة. ولا يمكن لطريق الهبوط الذاتي أن يُقدّم لسالكيه شعورًا حقيقيًّا بالسعادة، والقيمة العالية للحياة. تبقى النفس المسرِفة في طلب الدّنيا، الغارقة في لذائذها، المأسورة لهواها وهي تخسر من وزنها الإنساني باستمرار في عطاشٍ دائم فاقدةً لسبب الطمأنينيَّة المستقرّة، وراحة الضمير إلّا أن تُمسخ إنسانيّتُها بالكامل فيتبع ذلك موت ما كان لها من حياة ضمير.
وكلّما زاد انهدام إنسانية الإنسان، وتدهور مضمونه التابع لها من استقامة عقل، ووعي قلب، وصفاء روح، وطُهرِ سريرة، وسلامة نفس، وصحّة إرادة كلّما فَقَدَ أهليّته لسعادة الأبد واقترب من شقائه، وكان محلًا للعذاب المقيم.
وعليّ ألّا أُبرِّئ نفسي، وعليك ألّا تُبرّئ نفسك من أننا لسنا بعيدَين كلّ البعد عن الالتحاق بإحدى الفئتين، وقد يكون المانع من ذلك غير ما يتراءى للنفس من زكاتها ووعيها وتعفُّفها، وإنّما مانعُها الحقيقي أنها لا تجد الفُرَص الكافية كما وجد من أَنْسَتهم الدّنيا أنفسهم، وإلّا سابقتهم على ما صاروا إليه، والهاوية التي سقطوا فيها.