محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٩ - الخطبة الأولى
من لا قُدرةَ له على الفهم لا يجد سبيلًا للعلم، والفهمُ منبعُه الفطنة وحِدّةُ الذكاء، والقوة الذهنية القادرة على الاستيعاب وسرعة الوصول إلى الحقائق، وما ترمي إليه الأدلّةُ والمظاهر.
فهذا هو الأصل فيما يجتمع للإنسان من علمٍ عن طريق السّعي الذهنيّ، وإعمال قدرة التفكير.
أما القيمة النهائية لعطاء الفطنة فتحتاج إلى بصيرةٍ تجعل علمَ المرء لخيره وخير النّاس، لا لشرِّه وشرّ الآخرين ٦.
٣. رؤية عيوب النفس:
عن عليّ عليه السلام:" أبصَرُ النّاسِ مَن أبصَرَ عُيوبَهُ، وأَقلَعَ عَن ذُنوبِهِ" ٧.
وعنه عليه السلام:" أعقَلُ النّاسِ مَن كانَ بِعَيبِهِ بَصيراً، وعَن عَيبِ غَيرِهِ ضَريراً" ٨.
عيبُ غيرك لا يخدعك عن رؤيته، ولا يحجبك عن اكتشافه إلا تستّره عليه ما أمكن، والعيوب فضّاحةٌ لصاحبها، أما عيبي وعيبك فيحجبنا عن رؤيته حاجبٌ من نفسنا وخداعها وحبّنا لها واعتزازنا بها، وصعوبة معاداتنا لها ومخاصمتنا، وخسارتنا للثقة بها ٩.
وبذلك نحتاج إلى بصيرة ذاتِ نفوذ شديد، ورؤية حادّة، إلى بصيرة متحرِّرة بدرجة عالية جدًّا غالبةٍ للأهواء الذّاتية من أجل أن نرى عيب النفس، ومن أجل أن نُكابرها فيما تريد من البقاء على ضعفها، واستسلامها للعيوب.
والبصيرة تنصرف بصاحبها عمّا خلا من نفعه فضلًا عما يلحقه منه ضرر فلذلك يعمى عن رؤية ما قد يكون من عيبٍ للآخر، مُقتصِرًا في النظر إلى عيب نفسه لِيُخلِّصها من ورطته.