محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٨ - الخطبة الثانية
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي فتح على عباده أبوابَ الهدى والنَّجاة والسَّعادة، ودلّهم عليها، ونهاهم عن كلِّ باب يقودهم إلى الضَّلال والهلكة والشَّقاء، ولم يترك للناس عُذرًا، ولم يُبقِ لهم منفذًا لحجّة، ولا يؤاخذ سبحانه أحدًا إلا بمقدار ما يسّر له من الهدى، وأقام عليه من الحجّة، ومكّنه من العلم، ولا يجزي أحدًا بأكثر مما أساء، ولا يؤاخذه بشيء من إساءة غيره وهو الغفور الرَّحيم، التوّاب الكريم.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عبادَ الله ما فررتم من خطر من أخطار الدُّنيا فتذكَّروا أنَّ خطر النار أكبر، وما توقَّيتم من محذور من محذوراتها فليكن توقّيكم من محذور الآخرة أشدَّ وآكد؛ فإنّه لا يعدل شيء من خطر الدّنيا خطرَ النّار، ولا أكبرُ محذور من محذوراتها محذور الآخرة؛ فأين عذابٌ زائل من عذاب مقيم؟! وأين عذابٌ تتخلّله الفُسحة من عذابٍ لا فسحة فيه، ولا فرج يعرضه؟! وأين غضبُ المخلوقين من غضب الخالق الجبّار؟! وأين ألم يلمُّ بجانب من جوانب النفس من ألم لا يترك جانبًا من جوانبها إلا وسطا عليه؟! وأين عذاب من مقدور البشر من عذابٍ لا تطاله غير قدرة الجبَّار التي لا يحدّها شيء؟!
عبادَ الله ومن راقت له لذةٌ من لذَّات الدُّنيا فليتذكر أنْ لا لذّة فيها مثل أدنى لذة في الآخرة، ولا نعيم هنا يعدل نعيمها، ولا سعادة لأحد فيها كالسّعادة التّامة التي وعد الله المتقين في تلك الدار. فاطلبوا الآخرة أكثر مما تطلبون الدنيا، واحرصوا عليها أشدَّ مما تحرصون على الدار الفانية، وافرحوا لخيرها الفرحَ كلّه، واحزنوا لما يُبعّد من النجاة فيها الحزنَ أشدّه.