محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢ - الخطبة الأولى
(أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ) ٩.
وعن الإمام علي عليه السلام هذه الحكم الرشيدة:" الهَوى شَريكُ العَمى" ١٠.
" مَن رَكِبَ الهَوى، أدرَكَ العَمى" ١١.
فمركب الهوى لا يتخلّف عن غايته وهي العمى.
" اوصيكُم بِمُجانَبَةِ الهَوى؛ فَإِنَّ الهَوى يَدعو إلَى العَمى، وهُوَ الضَّلالُ فِي الآخِرَةِ وَالدُّنيا" ١٢.
" إذا أبصَرَتِ العَينُ الشَّهوَةَ عَمِيَ القَلبُ عَنِ العاقِبَةِ" ١٣.
٢. التولّع بالدنيا:
عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله:" مَن يَرغَب فِي الدُّنيا فَطالَ فيها أمَلُهُ، أعمَى اللّهُ قَلبَهُ عَلى قَدرِ رَغبَتِهِ فيها" ١٤. ورسول الله هو المصدر الثرّ الأول في الإسلام للحكمة.
وعن عليّ وصيّه عليه السلام في صفة الدنيا:" مَن أبصَرَ بِها بَصَّرَتهُ، ومَن أبصَرَ إلَيها أعمَتهُ" ١٥.
الدنيا منظار لَهُ قوّة إراءة، ومدٍّ للبصر ليصل إلى المستقبل. له ذلك من خلال عمرها القصير، وطموح ساكنيها بما يتجاوزها، وما تغنى به من دلالات على الحقّ، ودقّة الصنع والحكمة، وما تشهده من عدم استقرار للناس على حال، وما يعتور حياتهم من تحوّلات، وما يقوم فيها من عدل وظلم، وما عليه أحوال أهلها من استقامة وانحراف ١٦، وما يعانونه من خيبة الأماني والآمال، وما تشرئبّ إليه أنظارهم من الطّموحات، وتتطلّع إليه أفئدتهم من سعادة وخلود لا مكان له في هذه الحياة ١٧.
فمن اتخذ الدنيا من أهلها منظارًا يطلب به الوصول إلى الحقيقة أعطته الرؤية الكافية، وزودته بالبصيرة التي لا غنى له عنها، وأوقفته على الحكمة منها، والغاية التي كانت من