محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٦ - الخطبة الثانية
نداءات التوبة:
نداءات الرّحمة الإلهيَّة من الكتاب والسُنَّة، من ملائكة الله، ومن كلِّ قلب مؤمن زكيٍّ مشفِق، وعلى لسان الموت والحياة، وكلِّ آيةٍ من آيات الأنفس والآفاق لا تكفّ لحظة من ليل أو نهار عن مخاطبة عقل الإنسان، وقلبه، وبصيرته، وضميره، ووجدانه، وكلّ شعورٍ نابهٍ كريمٍ فيه من أجل أن تعود نفسه الأمّارة بالسّوء إلى الرُّشد، وتفيء إلى الحقّ، فيرجع إلى مأمنه بعد الضّياع، وإلى مأواه بعد الشّرود، ومرفئِه بعد الانفلات، ومن الضّلال إلى الهدى، ومن طريق الهَلَكَةِ إلى النجاة ١٦، وإلى حيث يطمئِن، ويهنأ ويسعد، ويسمو ويرقى.
ألا من تائبٍ بعد الذنب، مفيقٍ بعد الغفلة، نادمٍ بعد الإسراف على النفس، مستيقظٍ بعد طول السُّبات، ملتفتٍ لمكر الشيطان بعد الاغترار، متمرِّدٍ على أسر الهوى بعد الاستسلام، مستغيثٍ مستصرخٍ بالله قائلٍ بوعيٍ وصدقٍ وإخلاصٍ وانقطاعٍ لبارئه العظيم هاربٌ منك إليك، خائفٌ منك لاجئٌ إليك.
وحقَّ للنفس ألّا تهرب إلّا من غضب الله، ولا تخشى إلّا سخطَه. وغضبُ الله في أنْ يُسرِف امرؤ على نفسه ١٧، أن يسلكَ بها طريق الانحدار، أن يعطي لهواه أن يقوده ويُرديه، أن يسعى إلى النّار، أن يكون من المفسدين.
والهروبُ من الله هروبٌ من عدله ١٨ لسوء ما كسب العبد على نفسه، ومن الحقّ الذي يقضي به، وهروبٌ من قدرته التي لا يمتنع منها شيء، ولا يحمي شيءٌ منها، وهروبٌ من أخذه وبطشه وعذابه الذي لا طاقةَ لأحدٍ به، ولا تحمُّل لنفس لشدّته.
والهروب من الله عزّ وجلّ لا يحمي إلا بعودة الهارب إليه حيث لا ملجأ منه، ولا أرضَ غير أرضه، ولا سماء غير سمائه، ولا شيء من قدرةٍ إلّا بقدرته.