محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٥ - الخطبة الثانية
وهذا كلُّه كما هو مشاهَدٌ للشعوب الأخرى مشاهد للأنظمة والحكومات الأخرى كذلك. فماذا يُعمي أنظمة كثيرة عن الاستفادة من كل هذه الدروس، وترتيب الأثر على هذه النتائج؟!
الحكومات ليست غبية، وهي غنية بالمحلِّلين السياسيين وذوي الخبرة والاختصاص وهي أغنى بالمعلومات وأحرص على رصدها، على أنَّ عطاء هذه التجارب لا يحتاج إلى شيء من ذلك لشدّة وضوحه وتكرره وتقاربه الزمني وعدم اختلاف بيئة بقية الأنظمة المجاورة عن بيئتها، لكنَّ شيئًا واحدًا عند الأنظمة والحكومات هو الذي يُعطِّل فهمها ويفقدها البصيرة، ويوقعها في العمى عن رؤية الحقائق. ذلك هو غرور القوة والحبُّ المجنون في السلطة المطلقة، والاعتزاز بالإثم، وروح الاستعلاء من غير حقّ.
ومن هنا فإنَّ أكثر الأنظمة لا يُعطي قليلًا من حقّ الغير عنده إلا عند أقصى درجة من درجات الاضطرار.
انظر متى آمن فرعون واستسلم لأمر الله. إنما كان ذلك منه حيث عاين العذاب، وعاين أنَّ القدر قد أحاط به من كلّ جانب وألا مَخْلَص له. وذلك ساعةَ لا ينفع الندم.
وقليل من الأنظمة الحاكمة ما يلتفت إلى خطورة الموقف في البدايات ويُحاول معالجة الأمر بأقلّ قَدَرٍ ممكن من التنازلات أو الترضيات تحت شعار رعاية الشّعب والاهتمام به.
لابد للأنظمة أن تكون التجارب المتكرِّرة المتكثرة قد علَّمتها أنَّ إصلاحًا في وقت يحلُّ المشكلة، ثمّ لا يُجدي شيئًا في وقت آخر، وأنَّ الإفراط في استعمال القوّة لم يفلح فيما استهدفه في كلّ التجارب القريبة، وأنَّ مطالب الشعوب يرفع سقوفها شدّة القسوة وطول الانتظار واليأس من نَفْعِ القليل الذي تراه السلطات كثيرًا، وأنّه ليس من العقل ولا الحكمة أنَّ ما عليك أن تُعطيَه اليوم لا تعطيه إلا بعد مذابح، وسفح دماء الشعوب، والخسائر الكارثية للأوطان، وهو عندئذ لا يُرضي.