محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٤ - الخطبة الأولى
نعرف أنَّ ديننا القويم لم يترك أمرًا من الأمور التي يسمو بها الإنسانُ ويكمل ويرشد ويتقدّم في مستوى روحه وفكره، ويرقى في شعوره وهدفه، ويكثر نفعُه للنّاس، وينتهي ضرره إلا ودعا إليه، وحثَّ عليه، وأمر به، ووعد بثوابه، وأجزلَ جزاءَه.
وليس من خيرٍ ولا صلاحٍ ولا إحسانٍ إلَّا ورغَّب فيه، وأعلى من شأنه، ودَفَعَ دفعًا قويًّا له، وأكرم فاعله. وكلُّ ذلك هو من البرّ الذي نادى به، وشدَّد عليه، ورَفَعَ شعارَه.
ولئن صَدَقَ البرّ في بعض كلمات اللغويين على كلِّ فعلٍ مرضي، وما هو خير وصلاح إلا أنَّ بعضًا آخر من كلماتهم فيه اشتراط القصد، وأنَّ الخير وإن بقي خيرًا وإن جِيء به في غفلةٍ وسهو إلّا أنّه حتّى يصدُقَ عليه أنّه بِرٌّ يحتاج إلى انضمام القصد والالتفات إلى أنه كذلك.
ولقد جاء الأمرُ القرآني واضحًا بالبِرِّ فمنه قولُه سبحانه في كتابه الكريم: (... وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ ..) ٣.
(وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ٤.
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ٥.
وما أكثر الحديث في الدّعوة إلى البِرّ، والإطماعِ في فعله، والتحذير من الزُّهد فيه.
ذلك من مِثْل ما جاء عنه صلّى الله عليه وآله:" أسرع الخير ثوابًا البرّ" ٦،" كن بارًّا واقتصر على الجنّة، وإن كنت عاقًا (فظًّا) فاقتصر على النّار" ٧.، والفظّ هو كريه الخلق،" يا ابن مسعود أكثر من الصالحات والبرّ؛ فإن المحسن والمسيء يندمان؛ يقول المحسن: يا ليتني ازددت من الحسنات، ويقول المسيء: قصّرت.
وتصديق ذلك قوله تعالى (وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) ٨" ٩.