محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٩ - الخطبة الثانية
والمعروف في كلِّ الدنيا أنَّ من يعيشون تحت سقف واحد، ومن يركبون سفينة واحدة لا يتجزّأ أمنُهم عملًا فما خاف بعضهم من بعض إلّا خاف الآخر، وما غدر بعضهم ببعض إلا توقَّع الغدر من الآخر.
فأمنهم جميعًا ينتقض بنقض طرف، وينهدم بهدمه من طرف. فما أحسن لنفسه، وقد أساء إليها من قوّض أمن أخيه وشركائه الذين هم معه في البيت الذي يؤويه. وما يفعل ذلك فاعلٌ إلّا في غير تدبّر.
إنّه بغض النظر عن الدين والقيم والضمير والأخلاق والشيَم والحقوق يتحتم من باب المصلحة المشتركة والضرورة ودفع الضرر أن يجتنب أهل السقف الواحد عن اللعب بأمن بعضهم البعض.
والوطن الواحد الذي يضمُّ شعبًا واحدًا وحكومة واحدة في حكم السقف الواحد، وحكم أهله جميعًا حكم أهل بيت واحد وسفينة واحدة. أمنهم غيرُ قابل للتجزئة ... أمنهم واحد، وخوفهم واحد جاءهم الخوف من خارج أو جاءهم من عند أنفسهم.
حقيقة قد لا يختلف عليها اثنان من الناحية النظرية، ولكنَّ الحكومات التي تضرب بها عرض الحائط ليست من القليل.
ولا يُعالج هذا الأمر إلا التدبُّر والتفكُّر والتعقُّل. وحين نتحدث عن الاشتراك في أمن البيت الواحد والسفينة الواحدة والوطن الواحد وتصدُّعه وتدهوره وتضرُّر جميع الأطراف بتعدّي طرف عليه لابد أن نُفرّق بين ما عليه وضع البيت ووضع السّفينة ووضع الوطن. فأمنُ البيت تدهوره يكون سريعًا وتضرُّر الأطراف كلِّها به ربما يكون عاجلًا بهذا التعدّي، وأمن السفينة أسرع فَقدًا وبصورة جامعة. أمَّا أمن الأوطان فقد يُغري طرفًا عدم تضرُّره لمدى زمنيٍّ بتعدّيه عليه، وعدم وجود ردَّات فعل سلبيّة قريبة أو متوسطة مؤذية