محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٠ - الخطبة الأولى
أَلي أشواق وتطلعات وهدف وطموح ليس مما يرتبط بالبدن، ومما يتقوم به، وإنما مما يعطيني دورًا آخر غير دوره، ووظيفة أخرى غير وظيفته، وممارسات فوق ممارساته، ونوع لذّة لا يعرفها هي لذّة روح لا بدن أم أنا بدنٌ فحسب إحساسًا ماديًّا، ودوافع مادية وشهوة مِن هذا المستوى، ودورًا ووظيفة ولذّة لا غير؟
واضح أنْ ليس من كرامتي أنْ أتنازل عن مائزي العقلي لأكون عند مستوى الحيوان، ولكن أليس من الواضح كذلك أنه ليس من كرامتي ولا سعادتي أن أنسى مائزي الرّوحي، وأتخلّى عما أفترق به عن الحيوان من هدفٍ وطموح، ودور للرّوح يتناسب مع هذا الهدف والطموح، ويُغذّيني بلذةٍ أكبر وأبقى وأرقى من لذّة البدن؟ ذلك مع كون المائز العقلي إنما هو مقدّمة بينما تألّقُ الرّوح، وازدهارها وشعورها بلذّة الهدى والرّضا والسعادة هو الهدف.
قبل أن تنفلت حياةُ أحدنا على غير هدى، وإلى غير غاية، وأن لا تأخذ بضابط من ضوابط العقل والدّين والخُلُق والضمير، وقبل أن نخضعها للكثير من القيود والضوابط، ونفترض لها غاية معيّنة، ومسارًا محدَّد من الضروري أن نطرح على أنفسنا النوع المتقدم من الأسئلة، ونتوثّق من صحة الإجابات التي نتوصَّل إليها ٣.
ولا ترجع في إجاباتك على هذه الأسئلة الجذرية إلى كافر أو مؤمن. يكفيك أن ترجع فيها إلى العقل الإنساني المشترك الذي يعرفه داخلك، وفطرتك ووجدانك العامَّان، والهُدى الذي تقدّمه إليك عِبَرُ وعظات ودروس الحياة وسننها القائمة الدائمة الحاكمة.
ولن يجد أحدنا صعوبة أبدًا في أن يتلقَّى من هذه المصادر المعرفيّة الأكيدة الإجابة الواضحة الشّافية الي لا تردُّد فيها بأنه وكلّ شيء آخر لا يغنى بالوجود بذاته، وأنه ما كان ثم كان، وأنه يبقى على الحاجة والافتقار للوجود من خارجه لا يَفْرُق في ذلك في مرحلة استمراره عن مرحلة ابتدائه، وأنَّ إحداثه لا يُحوّل ذاته من الفقر بالذات إلى الغنى بالذات، ولا يقلب حقيقة ذاته ٤.