محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧ - الخطبة الأولى
طريقٌ يحتاج إلى عزيمة وتصميم، وصبر وثبات، ورؤية واضحة داعِمة مُمِدَّة بكلِّ ذلك؛ رؤية أصيلة حقيقية غير قابلة للاهتزاز تتعلق بالمبدأ والمنطلق والغاية والمنهج والطّريق، رؤية تمتلك تقييمًا دقيقًا للذَّات والدُّنيا والآخرة.
من طَلَبَ الرَّاحة في هذه الحياة فعليه أن يقطعَ النظرَ عن الوصول إلى الغاية، ومن طَلَبَ حياة لا مشاكل فيها ولا بلاءَ ولا تحديات فعليه أن يبحثَ عن حياةٍ أخرى من صُنْعِ نفسه أو من صُنْع وهمه وهي غيرُ الحياة التي كَتَبَ الله عزَّ وجلَّ بقدرته وعلمه وإرادته وحكمته على عباده.
ونحن حينما نتمنّى الرَّاحة المطلقة في الحياة الدّنيا إنّما نتمنّى ما لا يُمكن أن يكون، وما يُخالف قَدَر الله سبحانه، وقدر الله لا مُغيِّر له.
وحتى نستفيد من الحياة، وحتى نبلُغَ هدفَها، وحتى نرضى، ولا نقعَ في السُّخْط المدمِّر لنفسيّتنا، وفي غضب الله عز وجل علينا أن ننظرَ للحياة نظرةً واقعيَّة تتّسق مع طبيعتها وهي حياة ابتلاء وامتحان ومجاهدة ومكابدة زادُها الوعيُ، والتسليمُ لحكمة الخالق العليّ العظيم، ومواجهةُ ضعف النفس لا الانخذالُ، والاستقامةُ على طريق المجاهدة والثبات لا التلكّؤ والانحراف.
تقول الآية الرَّابعة من سورة البلد: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) فهل للإنسان أن يُبدِّل خلق الله، أو يخرج على قدره، أو يرتاب في علمه وقدرته وحكمته؟!
ولَمَّا كان طريق البناء للإنسان هو طريق الابتلاء بالخير والشّر، ولا طريق له غيرُه، وهو المؤدّي إلى كماله إذا صَبَرَ عليه، ووفّاه حقَّه، وتعامل معه التعامُل الذي دلّ عليه منهجُ الله كان الابتلاءُ في حياة الإنسان سُنّة شاملة من سُنَنِه سبحانه التي لا تتغيّر. إنّها السُّنة التي لا تتوقّف عند أيّ درجة من درجات القُرْب والإيمان، وتستمرُّ مع الإنسان مع استمرار الحياة حتّى تُغادِرَ روحُه جسدَه.