محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٨ - الخطبة الأولى
التفصيلية لها، والطرق الناجحة لتحقيقها غير كاف، وقد تنتهي هذه المشاريع رغم ما تُحقِّقه من مكاسب آنيّة إلى ما يُناقض الهدف الذي يجب أن تؤدّيَ إليه هذه الحياة.
وحيث تخسر حياتُنا هدفَها الذي كانت من أجله، ويُناسب قيمتَها، وتؤدي إلى نتيجة معاكسة نكون قد خسرنا الحياة رغم كلِّ النجاحات الجزئية والآنية التي حققتها مشاريعنا، وهي نجاحات على ترائيها كذلك إلّا أنها في حقيقتها خسارة.
ومن أجل ذلك فالمنطقيُّ جدًّا، والعقلائي جدًّا، واللازم عقلًا ومصلحة أن تبدأ انطلاقة الإنسان في الحياة وقبل كلِّ مشاريعها بالتفكير في الحياة نفسها؛ في أصلها، وبدايتها، ونهايتها، وقيمتها، وغايتها.
على مستوى مشاريعنا في الحياة لو أقدم أحدُنا على بناء بيت من غير أن ينظر أصل حاجته له، أو مدى حاجته وحجمها، وما يُناسب ظروف بيئته من بناء ويحمي منها، ومن غير أن يعرف أصلًا أن البيت للسكن أو للتفاخر به فحسب ثمَّ فكّر جيّدًا في كل مقدّمة من مقدمات البناء ١، وخطط له التخطيط الحسن الذي يراه، وطلب له أمهر البنّائين، وتنظّر في تحديد موقعه، وأتمّ إنشاءه بجهد كبير، فهل يُجديه ما بذله من تفكير وجهد وتصميم شيئًا وقد تبيَّن له بعد إنشائه من غير تفكير في الهدف منه، وحاجته إليه، وتناسبه مع حاجته ومقتضيات بيئته، وإمكان إيجاره أنه فاقد للمصلحة، ساقط القيمة، لا يُؤدّي هدفًا، ولا يسدّ حاجة، وقد كان مضيعة للوقت والمال والجهد؟!
وإذا كان هذا شأنَ هذا المشروع وأيّ مشروع أصغر أو أكبر من مشاريع الحياة وما يؤول إليه أمره إذا جاء غير مسبوق بالتفكير الكافي في هدفه الذي يجب أن يتّجه التفكير في كلِّ المقدمات المقوّمة له إلى ما يؤدي إليه بحيث يصبح ضياعًا وخسارًا؛ فكيف بأمر الحياة لو انطلق الإنسان كيفما يهوى وتشتهي له نفسه، وتسوقه له العاطفة، وتحمله عليه الظروف والأوضاع المحيطة به بلا تفكير جدّي ولا وقفة تأمُّلية مع عدد من الأسئلة