محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٥ - الخطبة الثانية
اللهم زدنا من نعمة البصيرة، وبارك لنا فيها، ووسّع فينا مداها، وأثمر شجرتها، وأرنا من أثرها خير الدّنيا والآخرة، وأزهق عن قلوبنا كلّ باطل، واحجب عنها كلَّ ظلمة يا حنّان، يا منّان، يا كريم.
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) ٣٠.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي لا يكون إلّا ما يريد لا ما يُريد غيره، ولا يجري إلَّا ما أجراه قَدَرُه، ولا قَدَر يردّ قدره، ولا فاتح لما أغلق، ولا مُغلقَ لما فتح، ولا مُقدّم لما أخّر، ولا مؤخّر لما قدّم، ولا غالبَ لمن نصر، ولا ناصر لمن خذل، لا أمرَ بيد غيره، وأمرُ كلُّ شيء بيده.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عباد الله قد أفلح المفلحون بتقوى الله، وخاب الخائبون، وخَسِر الخاسرون بمعصيته. وقد خرج خاصّة أوليائه من هذه الحياة بأكبر الرّبح بالانصراف إلى طاعته، والإخلاص في عبادته، والفرار من معصيته بعد أن عاشوا فيها ما عاشوا كما عاش الآخرون بين سعةٍ وضيق، ولذّةٍ وألم، وفَرَحٍ وحزن في تقلُّبٍ من الأحوال، يختلفون عمَّن سواهم فيما كانوا عليه من اليقين بعدل الله وحكمته وإحسانه، والرِّضا بقضائه وقَدَره، والاطمئنان إلى حكمه، والأنس بذكره، والاستقامة على دينه، وعدم الميل عن صراطه إلى أنْ ودَّعوا هذه الحياة غير آسفين عليها، ولا مخدوعين بأوهامها، ولا مأسورين لهواها، مطمئنين لرحمة الله، واثقين بكرمه، معوِّلين على جوده، آملين إنعامَه وإكرامَه.
ودّعوها لا كما ودّعها آخرون تتمزّق قلوبُهم لفراقها، هَلِعةً نفوسهم مما كسبت أيديهم، آيسين من رحمة الله، لا يتوقعون إلّا عذابًا أليمًا، وشقاء مقيمًا.