محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٣ - الخطبة الأولى
فراغًا بلا هدف، ومنه ما يكون وبالًا، وشرًّا علينا وهو ما أنفقه صاحبه في معصية الله مما يسقط النفس، ويَحطّ القدر، ويهبط بالمنزلة، ويجمع الذنب، ويزيد السّيئات، ومنه ما يُمثِّل صعودًا في مستوى الذّات، وتبلورًا وطهرًا وزكاةً لها، واقترابًا وازديادًا من رحمة الله، وهو ما أُنفِق في طاعته، ووُضع في مرضاته.
اللحظة تُعبّأ بالنيّة أو الفعل، أو الكلمة أو الفكرة فتكون خيرًا أو شرًّا على صاحبها من جنس ما عُبّئت به، وصُرِفت فيه من صفة ما أتى به المرء مما يُدخلها في الحقّ أو الباطل أو الطاعة لله أو معصيته.
يختار أُناسٌ في هذه الحياة أن يكونوا سعاةً بالفساد والسوء والشر والفتنة العمياء في الأرض، والرُّعب والإخافة في الناس والزّور والبهتان ومسخ الحقائق ونشر الباطل، ومناصرة الظّلم، ومناهضة العدل، وسدّ المنافذ ما استطاعوا على الإصلاح. يتخذون له من ذلك طريقًا للارتزاق، والتسلّق للمواقع، والبحث عن فُرص دنيوية عريضة أو يُنفِّسون عن أحقاد جاهلية، ويصدرون عن عقد وأمراض قلبية دفينة علَّهم يجدون راحةً مما يعانون.
هذه ذوات تزداد بما هي عليه من سلوك منحرف ودور عمليّ خبيث سوءًا على السّوء، ورجسًا على الرِّجس، وظلمة على الظلمة، وتحتاج لإنقاذ نفسها من المستنقع القذر، والمصير الكئيب الأسود أمام محكمة العدل الإلهيّ إلى مواجهةٍ عنيفةٍ مع داخلها المظلم ومحتواه الرّديء الذي راكمته السّيئات، وتكاثف سوءه بطول المعاندة للحقّ، وإلى ثورة عارمة منها على ذلك الإرث الثّقيل على مدى طويل.
وذواتٌ أخرى فرعونية هي منبع الفساد في الأرض على يد الإنسان، ترى من نفسها آلهة من حقّها أن تُقدَّم طاعتها على طاعة الله سبحانه، ولا ترضى للآخرين إلّا أن يعترفوا لها بهذا الحقِّ، ويدخلوا في خدمتها طائعين ساجدين.