محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٠ - الخطبة الثانية
وهذا الدين الذي يراد له أن يُحقّق هذين الغرضين السيئين لابد أن يكون محرَّفًا عن الدين الحقّ الذي يرفض الظلم، واستغلال النّاس للمصالح الذاتية الدّنيوية، وأن تتولّى صياغتَه الحكومات المنحرِفة كما يشتهي لها الهوى وتقتضيه مصالحها السَّاقطة، ولابد لهؤلاء المعادين للدّين ولشعوبهم من تربية الشّعوب على ما يُخرجونه من صورةٍ مزيّفة عن الدّين، وأن يُطاردوا الدّين الحقّ، ووسائل نشره وتعريفه وتركيزه في العقول والقلوب والسّلوك، وأن يُخرِّجوا علماء خاصِّين بهم، وينشئوا مراكز تعليم ديني تابعة لهم، وأن تكون لهم مساجدهم، وحسينيّاتهم، ومؤلّفوهم باسم الدّين، وأن يكون لهم أئمة للجماعة والجمعة ممن يسيرون في ركابهم، ويبلّغون ما يملونه عليهم، ولابد أن تكون لهم صحافتهم التي تُروّج أفكارهم، وتواجدهم في الحوزات لتسريب رؤيتهم. والميزانية الضخمة لكلِّ هذا من عرق الشعوب، وثروات الأمة، وكنوز بلادها.
وأنت ترى أنَّ الغرب الرسمي الذي لا تقيم سياسته للدين أيّ وزن، وتأخذ على نفسها أن تُقصيَه عن إرادة شؤون المجتمعات بصورة سافرة، وتعتبر أنَّ تدخُّل الدين في السّياسة من تخلُّف الأمم والجماعات والشعوب ومن رجعية الأنظمة تُثير ثائرة الدّين والغيرة الدينية على المسيحيّة في حروبها التي تحتاجها باسم الدّين لأطماعٍ توسُّعية مادية صِرفة، وعندما تخاف من تنامي أمّة وقدراتها في ظلِّ رؤية دينية أخرى ٢٣.
ولذلك تُبقي السياسة الغربية على وجود ديني، وتُقيم له مؤسساته وأماكنَ العبادة الخاصَّةَ به، وتمدّ عملية التبشير بالدين الذي توافق عليه، وتأمن من تدخُّله في السياسة في مختلف أقطار العالم لتفتح عن طريق هذا التبشير التواجد السيء لها فيها لأغراض ذاتية مادّية خبيثة ساقطة.
وهي تسمح للكيان الدينيّ المسيحيّ في أراضيها بالتواجد ودرجة من القوَّة لما سبق من أغراض تخدم مصالحها ووجودها وتوسُّعها ولِتُشبِع الشعور بالحاجة الفطرية للدين في