محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٧ - الخطبة الأولى
ولكن لأنَّ الكفر فيه شقاء العباد وهلاكهم وانحطاطهم وخسارتهم، وهم عباد الله الذين من خلقه وصنعه، ورزقُهم من عنده، وتدبيرهم من فيضه، وهم محلّ عنايته، وخَلَقَهم لرحمته، ولا يُريد بهم شرًّا، ولا يكِلهم إلى جهلهم وسفههم فإنه لا يرضى لهم الكفر شفقة ورحمة، وتفضُّلًا وامتنانًا.
ويُعطيك هذا المعنى من الآية الكريمة أنها بعد أن قالت (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) لم تقل ولا يرضى لكم الكفر، وإنما اختارت أن تقول (وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) لتجعل كونهم عباده علّةً لعدم رضاه لهم الكفر الذي فيه أكبر خسارة فادحة تُصيبهم، وأبشع سقوط يصير إليه إنسان.
ولأنَّ إيمان العباد بربّهم الحقّ، وشكرهم لنعمه بوضعها في موضعها الذي يُكمِّلهم ويُسعدهم فيه رحمةٌ حقيقية بهم يبلغون بها أسمى غاية تنتظرهم فهو يرضاه لهم، وقد دعاهم إليه، ودلّهم على طريقته، وبَعَثَ الرسل، وأنزل الكتب ببيانه، وهَدى الفطرة إلى الأخذ به.
وعَدْلُ الله لا يُحمّل أحدًا إثم أحد، ولا يُعاقب نفسًا بجرم أخرى. وكلُّ نفس راجعةٌ إلى الله مالكها الحق، وكلٌّ له جزاؤه عند ربِّه، وما من عمل عَمِلَتْه نفس كبر أو صغر، ظهر أو بطن، اجترحته جارحة أو قلب إلا وهو معلوم لله محفوظ عنده لا يمسُّه نسيان أو ضياع. وكيف تخفى على الله خافية من خلقه، وكلُّ خلقه، وما لهم من شيء أو أثر لا يتمُّ على خلاف تكوينه، ولا يكون إلّا به، ولا يتمُّ إلا تحت طائلة قدرته؟!
ونداء إلاهي آخر من منطلق الرّحمة والرأفة والعناية الخاصّة نجده بعد آيتين من الآية السابقة، وهو نداء موجَّه للمؤمنين من عباده الذين يجعلهم إيمانهم أهل كرامة خاصّة عنده، ويُلزمهم إيمانهم بما لا يصحّ لهم التفريط فيه (قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ