محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٨ - الخطبة الأولى
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) [١].
إنهم عباد الله الذين خَلَقَهم ومنه تدبيرهم، وتحتضنهم كغيرهم من عباده رأفتُه ورحمتُه، ويعمّهم إحسانه وتفضُّله، ويُتحفهم بنصحه، ويدلّهم على ما فيه خيرهم وسعادتهم.
وهؤلاء آمنوا به، وأدركوا واجب العبادة له، وحقّه في الطاعة والانقياد فكانوا محلًا لعناية أكبر، ونظرٍ من الرّحمة أخصّ، ولذلك نُودوا بخصوص هذا النداء الكريم (قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ) في حين أنَّ إيمانهم يقوم قاعدةً لتقواهم ربهم، وموجبًا عقليًّا لطاعته.
وجاء أمرهم بالتقوى رفعًا لدرجتهم، وبلوغًا إلى أسمى غاية يتطلّع إليها أهلُ الإيمان، وأعظم كرامة تمتدُّ إليها أعناقهم، وهي الكرامة عند الله العظيم الجليل.
وجاء وعدهم بحسنة عظيمة في الدنيا من مثل، طُمأنينة القلوب ورضا النفوس، والشعور بالكرامة في ظلّ الإيمان، وحياة التقوى والعمل الصالح، وفي الآخرة حيث النعيم المقيم والسعادة التي لا شقاء معها.
ومن عظيم ما يحمله الوعد الإلهي الصّادق للصابرين على طريق الطّاعة والتقوى أنّهم لا يُوقَفون لحساب، وجزاؤهم فوق ما يعادل عملهم.
هذه المضامين المتقدِّمة يُمكن أن يُستأنس لها في ضوء الآيتين الكريمتين مما يحقّ معه ألا تتوقّف نفسٌ عن الاستجابة لأمر الربّ الكريم الرؤوف بعباده، وألا تألوَ جُهدًا في السعي إليه، وطلب مرضاته.
[١]- ١٠/ الزمر.