محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٦ - الخطبة الأولى
هب لنا ربَّنا يقينًا بك لا يُبقي في قلوبنا تعظيمًا إلا إليك، ثم لمن عرفك وأخلص لك في طاعته وقَبِلتَه، وتوكُّلًا عليك لا يجعل لنا اعتمادًا على أحد من دونك، واطمئنانًا إلى رحمتك، وقدرتك، وحمايتك يُذهبُ عنا خوف غيرك، والوجلَ من غير عدلك يا حنَّان يا منّان، يا جواد، يا كريم.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فيقول سبحانه: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) [١].
كلُّ من دون الله عزّ وجلَّ وما دونه إنّما يُوجد بإيجاده، وكلُّ الأحياء تتلقّى حياتها من فيضه، وليس من شيء إلا تحت قهره، ولا أثر له، ولا نفعَ ولا ضرَّ إلا بإذنه، لأنّ كلَّ شيء من الخلق فقيرٌ في ذاته، لا يُخرِجُ نفسَه من عدمه المحض في ابتداء حدوثه، ولا يستقِلّ بوجوده طرفةَ عين بعد أن أُخرِج ابتداءً من عدمه.
ومن كان هذا واقعُه اعترف بالله أو أنكر، وشَكَرَ نِعَمَه أو كَفَر، فإنه لا يملك أن ينفع اللهَ أو يضرَّه بشيء. وكيف يملك ذلك وكلُّ ما لَهُ من قوة، وما لَهُ من أثر من فيض ربّه وتحت أمره؟! وهل لله عزَّ وجل وهو الغنيّ المطلق حاجةٌ فتُقضى؟! وهل به من نقصٍ وهو الكامل الذي لا يُحدّ كماله فيُسدُّ؟! وهل به من ضعف وكلُّ قوة من قوته، وكلُّ حول من عطائه فيُغلب؟!
الله الكامل بالكمال المطلق لا يجوز عليه أن يزداد كمالًا من نفسه، فهل يجوز عليه أن يستكمل بالناقصين وهم كلُّ من دونه؟!
[١]- ٧/ الزمر.