محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦ - الخطبة الأولى
سنّة الإبتلاء:
هناك مشاكل يواجهها الذهن إذا تعامل معها الإنسان بإرادةٍ وصبر، ودَخَلَ بجدٍّ في معاناة حلِّها أثمر ذلك نموًّا في قابليّاته الذهنيَّة، وأعطاه نُضجًا في الفهم، وأضاف إليه من قُدرة المواجهة لغموض المسائل، وفكِّ مغاليقها.
وإذا لانت إرادتُه أمام صعوبتها، وضعُفت نفسُه، ولم يصبر على التعامل الذهنيّ المضنيّ معها تجمَّد عند مستواه، وبَقِيَت قابلياتُه ١ بلا تفعيل.
وإذا أساء في التعامل مع تلك المشاكل ذات الطبيعة الذهنيَّة القاسية، وجانب المنهج العلمي والطريقة المنطقية في التفكير، واستهدفَ أن يصِلَ إلى ما يوافق هواه من نتائج بدأ يخسر من فهمه، وينحطُّ في المستوى الذهنيّ الذي كان يتمتع به.
وكما للذِّهن قابلياتٌ فللبدن قابليات، وكذلك لجانب النفس والرّوح في الإنسان. ولا يجد شيءٌ من كلّ هذه القابليات حالةَ الفعل والصَّيرورة التامَّة الناضِجة إلا بدخوله في التجارب العمليّة القاسية، والامتحانات الشديدة الصَّعبة.
حياةُ الإنسان كلُّها، ووجوده كلُّه في وسطٍ من كدٍّ وتعبٍ وكَبَد. أيامُه لا تمرّ إلا عبر المعاناة، وشخصيّتُه لا تنبني إلا من خلال المجاهدة، وكلُّ بُعْدٍ من أبعاده لا تُنضّجه إلّا المقاساة، وغاياته الصغيرة، والكبيرة وغايته النهائية العظمى لا تحصل بالكسل والاسترخاء، وإنَّما الطريق إليها وهو طريقُ البناء والإعمار والتصحيح والتطوير والتكامل وهو طريقُ كلِّ عمر التكليف وما قبل التكليف كلُّهُ مجاهدة ومكابدة وخوض معارك ضارية، ومستصعبة مع النّفس ومع الظّروف التي لا يخلو شيءٌ منها من نوعٍ من البلاء؛ البلاءِ بالخير، والبلاءِ بالشّر، ولا ينفكُّ عن لون وآخر من التحديات.