محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٦ - الخطبة الأولى
الذي يُؤهِّله لملاقاة يوم القيامة ويُعِدّه لنيل سعادتها التي لا تتحقّق إلَّا لذاتٍ نَقَتْ وسَمَت لا تعرف غير الاستقامة، ولا تميل إلى فعل شرٍّ على الإطلاق، وهذه الحاجة لا تفي بأدائها إلا مدرسة الصّوم والصّلاة والعبادة.
ذلك هو الهدف وتلك هي الحاجة الذاتيّة في وجود الإنسان، والحاجة الدنيويّة والأُخرويّة التي يطلب سدَّهما.
أما وسيلة هذه المدرسة في تربيتها للإنسان، وتحقيق هدفها فشيءٌ من جوع، وشيء من عطش، وامتناعٌ من بعض الأمور لا يُعطِّل حياة الإنسان، ولا يشُلَّ حركته، ولا يقف بعجلة إنتاجه، ولا يوقعه في الضرر ينطلق من إرادةٍ حرَّة، واختيار رشيد، ورؤية سديدة واضحة، ووعي للمنطلق والهدف، وقيمة التكليف، واستحقاق الطّاعة للآمر وغِناه وحكمته ودِقّة علمه وتقديره وصوابيّة هذا العلم والتقدير، ورحمته، وعظيمِ لطفه، وجليل ثوابه.
وليس هو من الجوع والعطش والامتناع الاضطراريّ، ولا المنطلِق من تعذيب النفس، ولا الذي تسوق إليه العادة، أو الذي يُراعي ذوقَ النّاس وأوضاع المجتمع، ورضا المخلوقين، ولا مما نبتت القناعةَ به بتأثير البيئة الموروثة، والتقليد الموروث.
وعندما يكون المستهدف لهذه المدرسة صناعةَ الإنسان وإصلاحه وتغييره، وتصحيح وتطوير محتواه، والدفعَ بمستوى ذاته فلابُدَّ أن يكون خطابها لكلِّ أبعاد التلقّي المزكّي والمُوقِظ، والمُرتفع بمستوى هذه الذات. وخطابُ الصوم بما فيه من امتناع عن تلبية بعض حاجات البدن وهي الأكل والشرب بما لا يُفسد صِحّته، وبعض شهوات النفس كالنِّكاح، وأمور أخرى في أرقى نيّة، وأسمى قَصْد من امتثال أمر الله سبحانه، والتقرُّب إليه، وطلب رضوانه، وفي إخضاع إرادة النفس لأَجَلِّ إرادة، وأنْزَهِ إرادة؛ إرادة الكامل سبحانه؛ هذا الخطابُ خطابٌ لعقل الإنسان، وقلبه، وجانبه الرّوحي، ولإرادته بأنْ تزيد