محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٧ - الخطبة الأولى
في تعلُّقها بالله سبحانه، وتُواصل توجّهها إليه، وتشتغل بذكره، وتتقدم في حركتها إليه، تلتزم صراطه، لا يشُلَّها شاغل عنه، تُنتج السّلوك الذي يُرضيه، يكون خوفها منه، رجاؤها فيه، حبُّها وعِشقها إليه. وفي هذا رُشْدُ الإنسان وسموّه، وكماله، وسعادته.
ولدخول كلِّ مدرسة تأهُّلٌ وإعداد، وقريبًا يدخل المسلمون مدرسةَ الصوم في دورتها لهذا العام، فما هي إلَّا أيَّام وتتشرّف الأمة بالشّهر الكريم.
فاستقبالًا لهذا الشهر المبارك الفضيل، وإعدادًا للنفس للتلقّي من دروسه، والارتقاء إلى مستوى الاستفادة من عطاءاته، واستذواق موائده، وأداء شيءٍ من حقِّه، والخروج منه بحصيلةٍ مما كان من أجله لابُدَّ من وقفةٍ مع الذات قبل لحظة لقائه، ووصول لياليه وأيامه.
وقفةٌ فيها مراقبةٌ ومحاسبةٌ ومعاتبةٌ؛ فيها تقويمٌ، وتخليصٌ للنفس من العيوب، ومطالبةٌ بالتراجع عن الأخطاء، فيها انسلاخ من الذنوب، وأَخْذٌ بالنهوض. فيها تصحيح ودفع لها إلى الأمام على خطِّ رُشْدها، وهداها، واستقامتها، وخضوعها في هدفها وإرادتها ومُناها لإرادة بارئها العظيم.
وقفةٌ فيها وعظ للنفس، تذكير لها، تبصير بأهمية الموسم وقيمته العالية عند الله سبحانه، وربحه الخالد، والخسارة الجسيمة المترتّبة على إهمال شأنه، والتقصير في معرفة مكانته، وفي الإساءة إليه، أو التفريط في حقِّه، وفي أن يخرجَ الآخرون بأعظم الربح منه واستحقاق الجنّة، وأنْ أخرُجَ منه بالربح الضئيل والحظّ الأدنى، أو الوزر الثقيل، أو بخفيّ حنين.
علينا قبل استقبال هذا الموسم العباديّ الثرّ الذي صمَّمته العناية الإلهية لتزكية العباد، والخروج بهم من ذُلّ الضعف إلى عزِّ القوّة، ومن وهن العزم إلى قوّة الإرادة، ومن الخنوع للشَّهوة إلى الاستعلاء عليها، ومن عبوديّة الرَّغبة إلى الاختيار الحرِّ الرشيد، ولأن