محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٥ - الخطبة الأولى
أجواؤها في البلاد الإسلامية الملتزمة تعمُّ كلّ جنبات المجتمع، وأوقات ليله ونهاره حيث التلاوة والدعاء والمناجاة والذكر والصّلاة، والدرجة العالية من الانضباط في السلوك.
الهدف أن تُغمرَ القلوبُ بالتقوى، فتشِفَّ وتنقى، وتزدهر، وتتألّق، وتصلُحَ، وترقى.
وحينئذ تستقيم النفس، وتنشط في الخير، وينفكُّ ارتباطها بالشرّ، وتصلح كلّ الأوضاع، وتهنأ الحياة، ويكون النّاس على طريق الغاية، وينتهون إلى العاقبة الحميدة، وسعادة الأبد.
فالدورة التربوية قصيرة- شهر واحد-، أمَّا عطاؤها فضخم، ونتاجها يفوق كلَّ حساب، ولا انقضاء له مع الزمن، ويظهر أكثر ما يظهر لكلّ نفس بعد هذه الحياة.
وإذا كان ذلك هو الهدف، وكان لهذه المدرسة كلُّ ذلك العطاء والنتاج، فصوم شهر رمضان بهدفه المذكور وعطائه الضخم لابد منه لتلبية حاجة الحياة، وحاجة الإنسان؛ حاجة دنياه وآخرته.
صحّة أوضاع الحياة، سلامةُ بُنْية المجتمع، إقامة مجتمع القسط والعدل والإحسان، والتعاون في الخير، ودرء الشرّ، مجتمعِ الأُخوَّة والمحبَّة والمودّة، والصفاء والصدق والإخلاص والعمل الصالح لا يتمُّ شيءٌ منها إلا بأن يكون وراء حركة الحياة في الأرض قلوبٌ مصنوعة تلك الصناعةَ التي تُحقّقها مدرسة الصوم والصلاة والعبادة فتُخرِّجها قلوبًا هادية مهديَّة، نقيّة زكيَّة، راشدة وعيَّة، نورانية مشعّة، لها رقيّ وسموّ من صلتها الدّائمة بالله، وتعلُّقها به، وزاد تقواها منه، وعِشقِها لجلاله وجماله وكماله.
وكما للإنسان حاجاتُ حياةٍ بأن تستقيمَ أوضاعه فيها، ويبني مجتمعًا يُشكِّل بيئة آمنة وصالحة لنموّ الأفراد، وتقدُّم الأوضاع، مُفعمة بالمحبّة والمودّة فإنَّ له حاجة النجاة يوم الآخرة والفوز فيها والتمتُّع بالسعادة الأبدية، وأن تبنيَ له حياتُه على الأرض المستوى