محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٨ - الخطبة الأولى
وحاشا للدّين الحقّ أن يفعل ذلك أو يتغاضى عنه، ويتناقض مع ما هو عليه من الهدى والنور.
إنه لابد للدّين في رسالته الكبرى من أخذ البشرية على طريق الحقّ متوجّهة إلى الله سبحانه، صادقة في توحيده إنقاذًا لها من الشقاء في الدنيا والآخرة، وبلوغًا بها إلى أقصى ما تُطيقه من الكمال، وتحقيقًا لسعادتها عاجلًا وآجلًا أن يعمل على إحداث فاصل فكريّ وروحيّ ونفسيّ بين العقول القويمة، والأرواح الطّاهرة، والنفوس الزكيّة وبين عقول منحرفة، وأرواح مترجِّسة، ونفوس خبيثة مُنْتِنة لا تصدر إلّا باطلًا، ولا تُؤثّر إلّا سلبًا، ولا يترشّح عنها إلا الشرّ والضّلال والفساد، ومن هنا جاء التشديد على البغض في الله، وهو بُغْضٌ لأعداء الله ولكلّ أهل الكفر والضلال والرّذيلة والفساد والتحلُّل والسقوط الخلقي مما فيه إجهاض لمسيرة الحياة الفاضلة الهادفة الكريمة، وإسقاط لقيمة الإنسان، وانحراف به عن خطّ كماله.
الحبُّ في الله من بعد حبّه، والبغض في الله خطّان جليّان من خطوط التربية الإسلامية والفكر الإسلامي الثابت كتابًا وسنّةً بلا أيِّ شائبة من غموض.
وحبُّ الله عزّ وجلّ حبٌّ للجلال والجمال والكمال المطلق جلالِ وجمالِ وكمالِ الوجود والحياة والعلم والقدرة والإرادة والرّحمة. والحبّ في الله عز وجل حبٌّ لما يحبّه وما يلاقي رضاه، ولا محبوب له عزّ وجلّ خارج الجمال والكمال، والبغض في الله بغض لما يُبغضه، ولا بُغْض منه سبحانه إلّا لما هو قبيح ومفسد وفيه تردٍّ وسقوط.
وبُغضُ المؤمن لأهل الكفر والظلم والفجور والفسق والرذيلة وسائر المنكرات إنما هو بُغْض لما عليه هؤلاء من صفات قبيحة هدّامة ساقطة تُعرقل حركة الحياة الإنسانية النبيلة الصَّاعدة، وتضادّ كرامة الإنسان ومصلحته، وتؤول به إلى التسافل والانحدار. وهو بُغْضٌ منطلِق من تقدير الإنسان، والاعتراف بكرامته، والحرص على سلامة ذاته، وليس