محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٧ - الخطبة الأولى
طُهْر القلب طهر لمحتواه [١]، وما يصدر عنه، وخُبْث القلب خبْث لمضمونه، وما يتوقع منه.
وإنّه لا يصدر من القبيح إلّا قبيح، والجميل لا يصدر منه إلّا ما هو من جنسه، وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضح. وماذا في قلب أسود محلولك؟! وماذا في قلب أبيض فضيٍّ لئلالاء؟!
من هذه الخلفية نعرف لماذا جاء التركيز على معرفة الله سبحانه ومعرفة دينه، وما يُرضيه وما يغضبه، ويحبّه ويبغضه، والعملُ في الإسلام على ربط القلوب بجلال ربّها وجماله، وشدِّها إلى نوره وكماله. فكلّ ذلك لتكون القلوب طاهرة نقيّة جميلة، وزادُها طيّبًا، ومضمونها كريمًا، وما يصدر عنها هاديًا وصالحًا وبنّاءً، وحتى تبلغ أرقى رقيّها، وتسموَ أرفع سموّها، ويتحقق لها كامل السعادة، وحتى تقوم الحياة الصالحة على الأرض، ويوجد المجتمع الإنساني الأرفع قدرًا، والأشدّ استقامة، والأصدق سعادة.
والخلفية نفسها هي التي تُفسِّر لنا الموقفَ الصَّارم الذي يقفه الإسلام من ولاية الشّيطان وأوليائه من الجنّ والإنس، وتشديده على عدم الدخول في ولايتهم، وعلى تنقية القلب من مودّتهم لا لزرع البغضاء بين النّاس وإشاعتها في المجتمع الإنساني، والتأسيس للعداوات الضارية، وإنما لمواجهة منابع الفساد في الأرض، وعدم التشجيع لمصادر الشرّ على التمدُّد في حياة النّاس، وللصدِّ عن المنكر.
الحبُّ والمودّة طريق التأثير والتأثُّر بالآخر ولو بقي هذا الطريق مفتوحًا دينيًّا بين النّاس وبين أهل الكفر والفجور والسّوء والفساد في الأرض لكان ذلك تعبيرًا واضحًا من الدّين عن إرادة نشر الكفر والفجور والسوء والفساد في الأرض، والترويج لهذه القبائح.
[١]- وحتى يكون محتوى القلب طاهرًا لابد أولًا للقلب في نفسه أن يكون طاهرًا.