محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٥ - الخطبة الثانية
كانت واهية، وتوسيعًا للمسافة بين الطرفين- ولأنَّ التطرف يُولِّد التطرف، ولكلّ فعل ردّ فعل من جنسه- يكون التطرُّف بعد هذا متبادلًا بين الحكومات وشرائح من شعوبها فتُقاد الأوضاع إلى لجّة لا منجاةَ منها، وإلى غرقٍ محتّم ينتظر الجميع.
وتتوسّع رقعةُ الحريق في الأمّة كلِّها، وتزداد الخطورة، وتنهار بنية الأمة إذا صار تبادل للعنف والإرهاب وصار دعمٌ للحركات الإرهابية من قبل الدول فسادت الفوضى، وانتشر الرّعب على نطاق واسع، وأعمال التدمير والقتل والتصفيات الجماعية بلا حساب ٣٣.
وبازدياد الحركات الإرهابية ضراوة وفتكًا وشراسة وتطرّفًا وإباحة لدم أبناء الأمة تنتهي قضيّة الأمن داخل الأُمّة، ويكون التوجُّه للثأر والانتقام والإسراف في القتل خارج الدين، وعلى خلاف الأخلاق والإنسانية والضَّمير، ومن دون التفاتٍ إلى مصلحة أو مفسدة.
ولن تتوقف الحركات الإرهابية عند حدّ، ولا الأعمال الإرهابية التي ترتكبُها ما دامت تجد حواضن من حكومات تُحرِّكها لمصالحها، وما دامت فتاوى التكفير لا يتوقّف صدورها، وما دام التأمُّر على الجماعات والحركات والأحزاب السياسية لا يحتاج إلى علم واسع وتخصص فقهي يتناسب مع هذا الموقع الخطير، ولن تنتهي محنةُ الأمة مع الإرهاب ما لم تتحرَّر المراكز العلمية الدّينية، ومراكز الإفتاء الدّيني المأخوذُ برأيها عن تبعيّتها للحكومات الوضعيّة وهيمنتها، وللسّياسة غير الشرعيَّة، وما لم تتوفَّر على كامل استقلالها.
وستبقى محنةُ الأمة مع الإرهاب إذا بقي الباب مفتوحًا لكلِّ متصدٍّ للإفتاء في الشأن العام، ولم تَصدر عن المراكز العلمية العُليا المعتبرة في الأمة شروط الكفاءة العلمية والدينية للإفتاء حتّى تسقطَ قيمةُ كلّ الفتاوى الفاقدة للأهليَّة، ولا يكون لها اعتبارٌ في أوساط الأمة.
والأمة اليوم بين غرق ونجاة، وغرقُها محتَّم عندما يكون القرار في الحكومات بيد الأجنحة المتطرّفة فيها والمولعة بالمصادمة مع الشعوب، وتصفية المعارضة، وتأمل القضاء على أيّ